الصفحة 21 من 3812

وهذا كله في حاجة إلى الإيمان الصحيح بالله؛ ومعرفة تكاليف هذا الإيمان . وإلى الإدراك الصحيح لمنهج الله؛ ومعرفة أنه يشمل كل جوانب الحياة . وإلى الجد في أخذ العقيدة بقوة ، والجهد لإقامة المنهج الذي ينبثق منها في حياة المجتمع كله . . فالمجتمع المسلم الذي يستمد قانونه من شريعة الله؛ ويقيم حياته كلها على منهجه؛ هو المجتمع الذي يسمح للمسلم أن يزاول حقيقة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بحيث لا يصبح هذا عملًا فرديًا ضائعًا في الخضم؛ أو يجعله غير ممكن أصلًا في كثير من الأحيان! كما هو الحال في المجتمعات الجاهلية القائمة اليوم في أرجاء الأرض؛ والتي تقيم حياتها على تقاليد ومصطلحات اجتماعية تسترذل تدخل أحد في شأن أحد؛ وتعتبر الفسق والفجور والمعصية « مسائل شخصية » ! ليس لأحد أن يتدخل في شأنها . . كما تجعل من الظلم والبطش والاعتداء والجور سيفًا مصلتًا من الإرهاب يلجم الأفواه ، ويعقد الألسنة ، وينكل بمن يقول كلمة حق أو معروف في وجه الطغيان . .

إن الجهد الأصيل ، والتضحيات النبيلة يجب أن تتجه أولًا إلى إقامة المجتمع الخير . . والمجتمع الخير هو الذي يقوم على منهج الله . . قبل أن ينصرف الجهد والبذل والتضحية إلى إصلاحات جزئية ، شخصية وفردية؛ عن طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

إنه لا جدوى من المحاولات الجزئية حين يفسد المجتمع كله؛ وحين تطغى الجاهلية ، وحين يقوم المجتمع على غير منهج الله؛ وحيت يتخذ له شريعة غير شريعة الله . فينبغي عندئذ أن تبدأ المحاولة من الأساس ، وأن تنبت من الجذور؛ وأن يكون الجهد والجهاد لتقرير سلطان الله في الأرض . . وحين يستقر هذا السلطان يصبح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شيئًا يرتكن إلى أساس .

وهذا يحتاج إلى إيمان . وإلى إدراك لحقيقة هذا الإيمان ومجاله في نظام الحياة . فالإيمان على هذا المستوى هو الذي يجعل الاعتماد كله على الله؛ والثقة كلها بنصرته للخير - مهما طال الطريق - واحتساب الأجر عنده ، فلا ينتظر من ينهض لهذه المهمة جزاء في هذه الأرض ، ولا تقديرًا من المجتمع الضال ، ولا نصرة من أهل الجاهلية في أي مكان!

إن كل النصوص القرآنية والنبوية التي ورد فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانت تتحدث عن واجب المسلم في مجتمع مسلم . مجتمع يعترف ابتداء بسلطان الله ، ويتحاكم إلى شريعته ، مهما وجد فيه من طغيان الحكم ، في بعض الأحيان ، ومن شيوع الإثم في بعض الأحيان . . وهكذا نجد في قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - « أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر »

.فهو « إمام » ولا يكون إمامًا حتى يعترف ابتداء بسلطان الله؛ وبتحكيم شريعته . فالذي لا يحكم شريعة الله لا يقال له: « إمام » إنما يقول عنه الله - سبحانه - { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } فأما المجتمعات الجاهلية التي لا تتحاكم إلى شريعة الله ، فالمنكر الأكبر فيها والأهم ، هو المنكر الذي تنبع منه كل المنكرات . . هو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة . . وهذا المنكر الكبير الأساسي الجذري هو الذي يجب أن يتجه إليه الإنكار ، قبل الدخول في المنكرات الجزئية ، التي هي تبع لهذا المنكر الأكبر ، وفرع عنه ، وعرض له . .

إنه لا جدوى من ضياع الجهد . . جهد الخيرين الصالحين من الناس . . في مقاومة المنكرات الجزئية ، الناشئة بطبيعتها من المنكر الأول . . منكر الجرأة على الله وادعاء خصائص الألوهية ، ورفض ألوهية الله ، برفض شريعته للحياة . . لا جدوى من ضياع الجهد في مقاومة منكرات هي مقتضيات ذلك المنكر الأول وثمراته النكدة بلا جدال .

على أنه إلام نحاكم الناس في أمر ما يرتكبونه من منكرات؟ بأي ميزان نزن أعمالهم لنقول لهم: إن هذا منكر فاجتنبوه؟ أنت تقول: إن هذا منكر؛ فيطلع عليك عشرة من هنا ومن هناك يقولون لك: كلا! ليس هذا منكرًا . لقد كان منكرًا في الزمان الخالي! والدنيا « تتطور » ، والمجتمع « يتقدم » وتختلف الاعتبارات!

فلا بد إذن من ميزان ثابت نرجع إليه بالأعمال ، ولا بد من قيم معترف بها نقيس إليها المعروف والمنكر . فمن أين نستمد هذه القيم؟ ومن أين نأتي بهذا الميزان؟

من تقديرات الناس وعرفهم وأهوائهم وشهواتهم - وهي متقلبة لا تثبت على حال؟ إننا ننتهي إذن إلى متاهة لا دليل فيها ، وإلى خضم لا معالم فيه!

فلا بد ابتداء من إقامة الميزان . . ولا بد أن يكون هذا الميزان ثابتًا لا يتأرجح مع الأهواء . .

هذا الميزان الثابت هو ميزان الله . .

فماذا إذا كان المجتمع لا يعترف - ابتداء - بسلطان الله؟ ماذا إذا كان لا يتحاكم إلى شريعة الله؟ بل ماذا إذا كان يسخر ويهزأ ويستنكر وينكل بمن يدعوه إلى منهج الله؟

ألا يكون جهدًا ضائعًا ، وعبثًا هازلًا ، أن تقوم في مثل هذا المجتمع لتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ، في جزئيات وجانبيات من شئون الحياة ، تختلف عليها الموازين والقيم ، وتتعارض فيها الآراء والأهواء؟!

إنه لا بد من الاتفاق مبدئيًا على حكم ، وعلى ميزان ، وعلى سلطان ، وعلى جهة يرجع إليها المختلفون في الآراء والأهواء . .

لا بد من الأمر بالمعروف الأكبر وهو الاعتراف بسلطان الله ومنهجه للحياة . والنهي عن المنكر الأكبر وهو رفض ألوهية الله برفض شريعته للحياة . . وبعد إقامة الأساس يمكن أن يقام البنيان! فلتوفر الجهود المبعثرة إذن ، ولتحشد كلها في جبهة واحدة ، لإقامة الأساس الذي عليه وحده يقام البنيان!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت