الصفحة 20 من 3812

والذين كفروا من بني إسرائيل هم الذين حرفوا كتبهم المنزلة؛ وهم الذين لم يتحاكموا إلى شريعة الله - كما مر في المواضع القرآنية المتعددة في هذه السورة وفي السور غيرها - وهم الذين نقضوا عهد الله معهم لينصرنّ كل رسول ويعزرونه ويتبعونه:

{ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } . .

فهي المعصية والاعتداء؛ يتمثلان في كل صورهما الاعتقادية والسلوكية على السواء . وقد حفل تاريخ بني إسرائيل بالمعصية والاعتداء . . كما فصل الله في كتابه الكريم .

ولم تكن المعصية والاعتداء أعمالًا فردية في مجتمع بني إسرائيل . ولكنها انتهت إلى أن تصبح طابع الجماعة كلها؛ وأن يسكت عنها المجتمع . ولا يقابلها بالتناهي والنكير:

{ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون! } . .

إن العصيان والعدوان قد يقعان في كل مجتمع من الشريرين المفسدين المنحرفين . فالأرض لا تخلو من الشر؛ والمجتمع لا يخلو من الشذوذ ، ولكن طبيعة المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفًا مصطلحًا عليه؛ وأن يصبحا سهلًا يجترئ عليه كل من يهم به . . وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات؛ ويصبح الجزاء على الشرك رادعًا وجماعيًا تقف الجماعة كلها دونه؛ وتوقع العقوبة الرادعة عليه . . عندئذ ينزوي الشر ، وتنحسر دوافعه . وعندئذ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه . وعندئذ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها المجتمع ، ولا يسمح لها بالسيطرة؛ وعندئذ لا تشيع الفاحشة . ولا تصبح هي الطابع العام!

والمنهج الإسلامي - بعرضه لهذه الظاهرة في المجتمع الإسرائيلي - في صورة الكراهية والتنديد ، يريد للجماعة المسلمة أن يكون لها كيان حي متجمع صلب؛ يدفع كل بادرة من بوادر العدوان والمعصية ، قبل أن تصبح ظاهرة عامة؛ ويريد للمجتمع الإسلامي أن يكون صلبًا في الحق ، وحساسًا تجاه الاعتداء عليه؛ ويريد للقائمين على الدين أن يؤدوا أمانتهم التي استحفظوا عليها ، فيقفوا في وجه الشر والفساد والطغيان والاعتداء . . ولا يخافوا لومة لائم . سواء جاء هذا الشر من الحكام المتسلطين بالحكم؛ أو الأغنياء المتسلطين بالمال؛ أو الأشرار المتسلطين بالأذى؛ أو الجماهير المتسلطة بالهوى . فمنهج الله هو منهج الله ، والخارجون عليه علو أم سفلوا سواء .

والإسلام يشدد في الوفاء بهذه الأمانة؛ فيجعل عقوبة الجماعة عامة بما يقع فيها من شر إذا هي سكتت عليه؛ ويجعل الأمانة في عنق كل فرد ، بعد أن يضعها في عنق الجماعة عامة .

روى الإمام أحمد - بإسناده - عن عبدالله بن مسعود ، قال: قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم: « لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم ، وواكلوهم وشاربوهم . فضرب الله بعضهم ببعض . ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم . . { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } وكان الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم - متكئًا فجلس ، فقال: ولا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرًا » .

وروى أبو داود - بإسناده - عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل ، فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك . ثم يلقاه من الغد ، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده . فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: » لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم « إلى قوله { فاسقون } ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ، ولتأخذن على يد الظالم ، ولتأطرنه على الحق أطرًا - أو تقصرنه على الحق قصرًا - »

فليس هو مجرد الإمر والنهي ، ثم تنتهي المسأله ، إنما هو الإصرار ، والمقاطعه ، والكف بالقوة عن الشر والفساد والمعصية والاعتداء .

وروى مسلم - بإسناده - عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - « من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه . . وذلك أضعف الإيمان » .

وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن عدي بن عميرة قال - سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: « إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة ، حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم - وهم قادرون على أن ينكروه - فلا ينكرونه . فإذا فعلوا عذب الله العامة والخاصة » .

وروى أبو داود والترمذي - بإسناده - عن أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر » .

وتتوارد النصوص القرآنية والنبوية تترى في هذا المعنى؛ لأن هذا التماسك في كيان الجماعة بحيث لا يقول أحد - فيها وهو يرى المنكر يقع من غيره -: وأنا مالي؟! وهذه الحمية ضد الفساد في المجتمع ، بحيث لا يقول أحد - وهو يرى الفساد يسري ويشيع - وماذا أصنع والتعرض للفساد يلحق بي الأذى؟! وهذه الغيرة على حرمات الله ، والشعور بالتكليف المباشر بصيانتها والدفع عنها للنجاة من الله .

.هذا كله هو قوام الجماعة المسلمة الذي لا قيام لها إلا به . .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت