أي: في التوراة، كتابهم الذي نزل على نبيهم، وهم محتفظون به وليس في كتاب آخر، فالحق سبحانه قضى عليهم. أي: حكم عليهم حُكْمًا وأعلمهم به، حيث أوحاه إلى موسى، فبلّغهم به في التوراة، وأخبرهم بما سيكون منهم من ملابسات استقبال منهج الله على ألسنة الرسل، أَيُنفذونه وينصاعون له، أم يخرجون عنه ويفسدون في الأرض؟
إذا كان رسولهم ـ عليه السلام ـ قد أخبرهم بما سيحدث منهم، وقد حدث منهم فعلًا ما أخبرهم به الرسول وهم مختارون، فكان عليهم أنْ يخجلوا من ربهم عز وجل، ولا يتمادوا في تصادمهم بمنهج الله وخروجهم عن تعاليمه، وكان عليهم أن يصدقوا رسولهم فيما أخبرهم به، وأنْ يُطيعوا أمره.
وقوله تعالى: لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ.. [الإسراء: 4] .
جاءتْ هذه العبارة هكذا مُؤكّدة باللام، وهذا يعني أن في الآية قَسَمًا دَلَّ عليه جوابه، فكأن الحق سبحانه يقول: ونفسي لتفسدن في الأرض، لأن القسَم لا يكون إلا بالله.
أو نقول: إن المعنى: ما دُمْنا قد قضينا وحكمنا حُكْمًا مُؤكّدًا، لا يستطيع أحد الفِكَاك منه، ففي هذا معنى القسَم، وتكون هذه العبارة جوابًا لـ"قضينا"؛ لأن القسَم يجيء للتأكيد، والتأكيد حاصل في قوله تعالى: وَقَضَيْنَآ... [الإسراء: 4] .
فما هو الإفساد؟
الإفساد: أن تعمد إلى الصالح في ذاته فتُخرجه عن صلاحه، فكُلُّ شيء في الكون خلقه الله تعالى لغاية، فإذا تركتَه ليؤديَ غايته فقد أبقيته على صلاحه، وإذا أخللْتَ به يفقد صلاحه ومهمته، والغاية التي خلقه الله من أجلها.
والحق سبحانه وتعالى قبل أنْ يخلقنا على هذه الأرض خلق لنا مُقوّمات حياتنا في السماء والأرض والشمس والهواء.. الخ وليس مقومات حياتنا فحسب، بل وأعدَّ لنا في كَوْنه ما يُمكِّن الإنسان بعقله وطاقته أن يَزيدَ الصالح صلاحًا، فعلى الأقل إنْ لم تستطع أن تزيد الصالح صلاحًا فأبْقِ الصالح على صلاحه.