الصفحة 155 من 203

ثم إن القاضي لا يحكم بعلمه فحسب، بل لا بُدَّ له من بينة على المدعي أن يُقدّمها أو اليمين على مَنْ أنكر، والبينة تحتاج إلى سماع الشهود، ثم هو بعد أن يحكم في القضية لا يملك تنفيذ حكمه، بل هناك جهة أخرى تقوم بتنفيذ حكمه، ثم هو في أثناء ذلك عُرْضة للخداع والتدليس وشهادة الزور وتلاعب الخصوم بالأقوال والأدلة.

وقد يستطيع الظالم أنْ يُعمِّي عليه الأمر، وقد يكون لبقًا متكلمًا يستميل القاضي، فيحوّل الحكم لصالحه، كل هذا يحدث في قضاء الدنيا.

فما بالك إذا كان القاضي هو رب العزة سبحانه وتعالى؟

إنه سبحانه وتعالى القاضي العدل الذي لا يحتاج إلى بيّنة ولا شهود، ولا يقدر أحد أنْ يُعمِّي عليه أو يخدعه، وهو سبحانه صاحب كل السلطات، فلا يحتاج إلى قوة أخرى تنفذ ما حكم به، فكل حيثيات الأمور موكولة إليه سبحانه.

وقد حدث هذا فعلًا في قضاء قضاه النبي صلى الله عليه وسلم، وهل القضاة أفضل من رسول الله؟!

ففي الحديث الشريف:"إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل أحدكم أن يكون ألحنَ بحجته فأقضي له، فمَنْ قضيت له من حق أخيه شيئًا، فلا يأخذه؛ فإنما أقطع له قطعة من النار".

فردَّ صلى الله عليه وسلم الحكم إلى ذات المحكوم له، ونصحه أنْ يراجعَ نفسه وينظر فيما يستحق، فالرسول صلى الله عليه وسلم بشر يقضي كما يقضي البشر، ولكن إنْ عمَّيْتَ على قضاء الأرض فلن تُعمِّي على قضاء السماء.

ولذلك يقول صلى الله عليه وسلم فيمَنْ يستفتي شخصًا فيفتيه فتوى تخالف الحق وتجانب الصواب:"استفتِ قلبك، وإنْ أفتوْكَ، وإنْ أفتوْكَ، وإنْ أفتوْكَ".

قالها ثلاثًا ليلفتنا إلى ضرورة أن يكون الإنسان واعيًا مُميّزًا بقلبه بين الحلال والحرام، وعليه أن يُراجع نفسه ويتدبر أمره.

وقوله: { فِي الْكِتَابِ.. } [الإسراء: 4] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت