فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 1681

قد امحت من ذهنه الشريف جملة غاية ما تفيده أنها كانت غائبة عنه ثم ذكرها وحضرت في ذهنه بقراءة عباد وغيبة الشيء عن الذهن أو غفلة الذهن عن الشيء غير محوه منه بدليل أن الحافظ منا لأي نص من النصوص يغيب عنه هذا النص إذا اشتغل ذهنه بغيره وهو يوقن في ذلك الوقت بأنه مخزون في حافظته بحيث إذا دعا إليه داع استعرضه واستحضره ثم قرأه أما النسيان التام المرادف لامحاء الشيء من الحافظة فإن الدليل قام على استحالته على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يخل بوظيفة الرسالة والتبليغ وإذا عرض له نسيان فإنه سحابة صيف لا تجيء إلا لتزول ولا ريب أن نسيان الرسول هنا كان بعد أن أدى وظيفته وبلغ الناس وحفظوا عنه فهو نسيان لم يخل بالرسالة والتبليغ قال البدر العيني في باب نسيان القرآن من شرحه لصحيح البخاري ما نصه وقال الجمهور جاز النسيان عليه أي على النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ليس طريقه البلاغ والتعليم بشرط ألا يقر عليه بل لا بد أن يذكره وأما غيره فلا يجوز قبل التبليغ وأما نسيان ما بلغه كما في هذا الحديث فهو جائز بلا خلاف اه هذا ولقد كنت في الطبعة الأولى تابعت بعض الكاتبين هنا في اتهام هذه الرواية بالدس والوضع ولكن تبين لي بعد إعادة النظر وتنبيه بعض ذوي الفطن أن الخبر صحيح رواه الشيخان ففي صحيح البخاري عن هشام عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يقرأ في المسجد فقال يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية من سورة كذا زاد في رواية أخرى وقال أسقطتهن من سورة كذا وكذا وفي صحيح مسلم عن هشام عن أبيه عن عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يقرأ من الليل فقال يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت أسقطتها من سورة كذا وكذا وقال النووي في كتابه التبيان في آداب حملة القرآن ما نصه وثبت في الصحيحين أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يقرأ فقال رحمه الله لقد أذكرني آية كنت أسقطتها وفي رواية في الصحيح كنت أنسيتها اه سبحان ربي !< لا يضل ربي ولا ينسى >! 20 طه 52 2 وأما احتجاجهم الثاني وهو الاسثناء الذي في قوله سبحانه !< سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله >! 87 الأعلى 6 7 فلا يدل على ما زعموا لأنه استثناء صوري لا حقيقي والحكمة فيه أن يعلن الله عباده أن عدم نسيانه - صلى الله عليه وسلم - الذي وعده الله إياه في قوله !< فلا تنسى >! إنما هو محض فضل من الله وإحسان ولو شاء سبحانه أن ينسيه لأنساه وفي ذلك الاستثناء الصوري فائدتان إحداهما ترجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث يشعر دائما أنه مغمور بنعمة الله وعنايته ما دام متذكرا للقران لا ينساه والثانية تعود على أمته حيث يعلمون أن نبيهم - صلى الله عليه وسلم - فيما خصه الله به من العطايا والخصائص لم يخرج عن دائرة العبودية فلا يفتنون فيه كما فتن النصارى في المسيح ابن مريم والدليل على أن هذا الاستثناء صوري لا حقيقي أمران أحدهما ما جاء في سبب النزول وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتعب نفسه بكثرة قراءة القرآن حتى وقت نزول الوحي مخافة أن ينساه ويفلت منه فاقتضت رحمة الله بحبيبه أن يطمئنه من هذه الناحية وأن يريحه من هذا العناء فنزلت هذه الآية كما نزلت آية !< لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت