السورة الكريمة بسورة النحل"لاشتمالها على تلك العبرة التي تشير إلى عجيب صنع الخالق ، وتدل على الألوهية بهذا الصنع العجيب [1] "
مقصودها الدلالة على أنه تعالى تام القدرة والعلم ، فاعل بالاختيار ، منزه عن شوائب النقص ، وادل ما فيها علىهذا المعنى أم النحل لما ذكر من شأنها من دقة الفهمة في ترتيب بيوتها ورعيها وسائر أمرها من اختلاف ألوان ما يخرح منها من أعسالها ، وجعله شفاء مع أكلها من الثمار النافعة والضارة - وغير ذلك من الأمور ، ووسمها بالنعم واضح في ذلك - والله أعلم . [2]
هذه السورة هادئة الإيقاع ، عادية الجرس ولكنها مليئة حافلة. موضوعاتها الرئيسية كثيرة منوعة والإطار الذي تعرض فيه واسع شامل والأوتار التي توقع عليها متعددة مؤثرة ، والظلال التي تلونها عميقة الخطوط.
وهي كسائر السور المكية تعالج موضوعات العقيدة الكبرى: الألوهية. والوحي. والبعث. ولكنها تلم بموضوعات جانبية أخرى تتعلق بتلك الموضوعات الرئيسية. تلم بحقيقة الوحدانية الكبرى التي تصل بين دين إبراهيم - عليه السلام - ودين محمد - صلى الله عليه وسلم - وتلم بحقيقة الإرادة الإلهية والإرادة البشرية فيما يختص بالإيمان والكفر والهدى والضلال. وتلم بوظيفة الرسل ، وسنة اللّه في المكذبين لهم. وتلم بموضوع التحليل والتحريم وأوهام الوثنية حول هذا الموضوع. وتلم بالهجرة في سبيل اللّه ، وفتنة المسلمين في دينهم ، والكفر بعد الإيمان وجزاء هذا كله عند اللّه .. ثم تضيف إلى موضوعات العقيدة موضوعات المعاملة: العدل والإحسان والإنفاق والوفاء بالعهد ، وغيرها من موضوعات السلوك القائم على العقيدة ..
وهكذا هي مليئة حافلة من ناحية الموضوعات التي تعالجها.
فأما الإطار الذي تعرض فيه هذه الموضوعات ، والمجال الذي تجري فيه الأحداث ، فهو فسيح شامل ..
هو السماوات والأرض. والماء الهاطل والشجر النامي. والليل والنهار والشمس والقمر والنجوم. والبحار والجبال والمعالم والسبل والأنهار. وهو الدنيا بأحداثها ومصائرها ، والأخرى بأقدارها ومشاهدها. وهو الغيب بألوانه وأعماقه في الأنفس والآفاق.
في هذا المجال الفسيح يبدو سياق السورة وكأنه حملة ضخمة للتوجيه والتأثير واستجاشة العقل والضمير.
حملة هادئة الإيقاع ، ولكنها متعددة الأوتار. ليست في جلجلة الأنعام والرعد ، ولكنها في هدوئها تخاطب كل حاسة وكل جارحة في الكيان البشري ، وتتجه إلى العقل الواعي كما تتجه إلى الوجدان
(1) - صفوة التفاسير ـ للصابونى - (2 / 102)
(2) - نظم الدرر ـ موافق للمطبوع - (4 / 243)