تعالى: ( يسألونك ) أي الذين عند ربك هم الذين هزموا الكفار في الحقيقة كما علمتم ذلك - وسيأتي بيانه ، فهم المستحقون للأنفال وليس لهم إليها التفات وإنما همهم العبادة ، والذين عندك إنما جعلنهم آلة ظاهرة ومع ذلك فهم يسألون ) عن الأنفال ( التي توليتهم إياها بأيدي جنودي سؤال منازعة ينبغي الاستعادة بالله منها - كما نبه عليه آخر الأعراف - لأن ذلك يفضي إلى افتراق الكلمة والضعف عن مقاومة الأعداد ، وهو جمع نفل - بالتحريك ، وهو ما يعطاه الغازي زيادة على سهمه ، والمراد بها هنا الغنيمة ، وهي المال المأخوذ من أهل الحرب قهرًا ، سميت هنا بذلك لأن اصلها في اللغة الزيادة ، وقد فضل المسلمون بها على سائر الأمم ولما كان السؤال عن حكمها ، كا كأنه قيل: فماذا يفعل ؟ فقال دالًا على انهم سألوا عن مصرفها وحكمها - ليطابق الجواب السؤال:( قل ) أي لهم في جواب سؤالهم ) الأنفال لله ) أي الذي ليس النصر غلا من عنده لما له من صفات الكمال ) الرسول ) أي الذي كان جازمًا بأمر الله مسلمًا لقضائه ماضيًا فيما أرسله به غير متخوف من مخالطة الردى بموافقة العدى ؛ قال أبو حيان: ولا خلاف أن الآية نزلت في يو بدر وغنائمه ، وقال ابن زيد: لا نسخ ، إنما أخبر أن الغنائم لله من حيث إنها ملكه ورزقه ، وللرسول عليه السلام من حيث إنها ملكه ورزقه ، وللرسول عليه السلام من حيث هو مبين لحكم الله والصادع فيها بأمره ليقع التسليم من الناس ، وحكم القسمة نازل خلال ذلك - انتهى . [1]
نعود الآن إلى القرآن المدني - بعد سورتي الأنعام والأعراف المكيتين - وقد سبقت منه في هذه الظلال - التي نسير فيها وفق ترتيب المصحف لا وفق ترتيب النزول - سور: البقرة ، وآل عمران ، والنساء والمائدة ..
ذلك أن الترتيب الزمني للنزول لا يمكن القطع فيه الآن بشي ء - اللهم إلا من ناحية أن هذا قرآن مكي وهذا قرآن مدني على وجه الإجمال ، على ما في هذا من خلافات قليلة - فأما الترتيب الزمني المقطوع به من ناحية زمن نزول كل آية أو كل مجموعة من الآيات أو كل سورة ، فيكاد يكون متعذرا ولا يكاد يجد الإنسان فيه اليوم شيئا مستيقنا - إلا في آيات معدودات تتوافر بشأنها الروايات أو تقطع بشأنها بعض الروايات ..
وعلى كل ما في محاولة تتبع آيات القرآن وسوره وفق الترتيب الزمني للنزول من قيمة ، ومن مساعدة على تصور منهج الحركة الإسلامية ومراحلها وخطواتها ، فإن قلة اليقين في هذا الترتيب تجعل الأمر شاقا كما أنها تجعل النتائج التي يتوصل إليها تقريبية ظنية ، وليست نهائية يقينية .. وقد تترتب على هذه النتائج
(1) - نظم الدرر ـ موافق للمطبوع - (3 / 181)