فهرس الكتاب

الصفحة 266 من 1681

لم يذكروا شيئا من ذلك ولم يفكروا فيه ، ولكنهم فكروا فقط في أن الدعوة الجديدة التي استعلنت بعد استخفاء ، وتحدت بعد ما ظنوه بها من الاستخذاء ، يجب أن تموت في مهدها ويجب أن تكتم أنفاسها قبل أن تنبعث حرارة هذه الأنفاس إلى البلاد والقبائل والشعوب.

ورحبت الدعوة الإسلامية بهذا النضال ، وتحملت أعباءه وأثقاله ، وكان ذلك أول النصر ، لأن النور لا يظهر إلا بعد الاحتكاك.

وأخذت سور القرآن في هذه المرحلة تتلاحق ، وأخذت آياتها تتعاون وتتآزر ، وكانت أغراضها متشابهة إلى حد بعيد ، وكان أولها وأحفلها بما نزلت له من أغراض بعد أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإعلان الدعوة والصدع بها ، هو سورة « الأنعام » فقد جمعت كل العقائد الصحيحة ، وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين ، وتفنيد شبه الملحدين ، وإبطال العقائد الفاسدة ، وتركيز مبادئ الأخلاق الفاصلة .

وبذلك يتبين لنا أن ما اشتملت عليه سورة الأنعام من مقاصد وأهداف وأحكام ومعتقدات يوافق كل الموافقة طبيعة المرحلة التي كانت تجتازها الدعوة الإسلامية في ذلك الوقت.

3 -أين نزلت سورة الأنعام:

يرى جمهور العلماء أن سورة الأنعام كلها مكية ، ويرى فريق منهم أنها كلها نزلت بمكة ما عدا الآيات 20 ، 23 ، 91 ، 93 ، 104 ، 141 ، 151 ، 152 ، 153.

ولعل الذي حمل أصحاب هذا الرأى على القول بأن هذه الآيات التسع مدنية ورود بعض الروايات بذلك ، وأنها آيات نزلت في بيان أحكام تتعلق بالحلال والحرام من التكاليف العملية ، وهي لهذا كانت أنسب بالمدينة.

والذي تطمئن إليه النفس وعليه المحققون من المفسرين أن سورة الأنعام قد نزلت كلها بمكة جملة واحدة ، ويشهد لما ذهبنا إليه ما يأتى:

(أ) كثرة الآثار التي صرحت بنزولها بمكة دفعة واحدة ، ومن هذه الآثار ما ورد عن ابن عباس أنه قال: لقد نزلت سورة الأنعام بمكة ليلا جملة واحدة وحولها سبعون ألف ملك يجأرون بالتسبيح.

وعن ابن عمر قال: قال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -: نزلت على سورة الأنعام جملة واحدة وشيعها سبعون ألفا من الملائكة لهم زجل بالتسبيح والتحميد .

(ب) المحققون من المفسرين عند ما بدءوا في تفسير سورة الأنعام صرحوا بأنها جميعها مكية ، وأنها قد نزلت جملة واحدة ، وتجاهلوا قول القائل إن فيها آيات مدنية.

فهذا - مثلا - الإمام ابن كثير ساق في مطلع تفسيره لهذه السورة الروايات التي تثبت أنها مكية ، ولم يذكر رواية واحدة تثبت أن فيها آية أو آيات قد نزلت بالمدينة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت