فبعد ما يربو عن قرنين من الزمان، تجد الدولة العلمانية نفسها وهي تحكم مجتمعا يتدين بتصاعد كما كشفت عن ذلك الاستطلاعات والدراسات المتعددة، وهذه مفارقة مقلقة جدا للدولة العلمانية، أثارها أكثر من مفكر ومحلل سياسي ورجل دين، خاصة في المناقشات الدائرة اليوم حول منع العلامات الدينية من الظهور في المدارس والمؤسسات العمومية، فكيف يقبل ويعقل أن يكون المجتمع غير علماني، بل متدينا، في حين أن دولته علمانية بنص الدستور. أما أعضاء الحكومة فيقفون في منزلة بين المنزلتين: بين المجتمع المتدين والدولة غير المتدينة ... ومن المسلم به في الحداثة المعاصرة أن فرنسا هي رائدة فصل الدين عن السياسة منذ ثورتها الشهيرة عام 1789، حيث صاحت الأصوات مرددة بحماس وقوة:"اشنقوا آخر الملوك بأمعاء آخر قسيس"، وفي تلك الأجواء الحامية ظهرت الدولة العلمانية وتطورت ونمت حتى فصلت في الجو المشحون بين الدين والدولة جاعلة ما لله وما لقيصر لقيصر، وتوج ذلك في قانون عام 1905. [1]
(1) حسن السرات، تجديد العلمانية الفرنسية بين الديني والسياسي، موقع الجزيرة نت، الأربعاء 17/5/2006.