وحاصل ذلك أن اختلاف الفقهاء إنما هو اختلاف في الرأى و الاجتهاد ، كاختلاف المفسرين في التفسير ، أو المعربين في الإعراب بينما تكون هذه الأوجه كلها محتملة.
وهذا يختلف ويفترق عن اختلاف القراء ، فإن القراءات ثابتة بالنقل ، لا بالاجتهاد ، والخلاف بين القراء في ذلك راجع إلى الاختيارات مع صحة الجميع كما مضى النقل عما قريب عن الشاطبى. و قال ابن الجزرى في هذه المسألة:
اختلاف القراء كله حق وصواب نزل من عند الله ، وهو كلامه لا شك فيه ، واختلاف الفقهاء اختلاف اجتهادى، والحق في نفس الأمر واحد، فكل مذهب إلى الأخر صواب يحتمل الخطأ ،وكل قراءة بالنسبة إلى الأخرى حق وصواب في نفس الأمر نقطع بذلك ونؤمن به ا .هـ [1]
وقريب من هذا المعنى كلام الشاطبى الذى نقلته قريبًا ، الذى لم يعتبر فيه ما نقل عن القراء مما يعتد به في الخلاف.
النسبة بين القراءات والقرآن
القرآن والقراءات حقيقتان متغايرتان ، فالقرآن هو الوحى المنزل للإعجاز والبيان . والقراءات اختلاف ألفاظ الوحى المذكور في الحروف أو كيفيتها من تخفيف وتشديد وغيرهما وحفظ القرآن فرض كفاية على الأمة ومعناه: ألا ينقطع عدد التواتر فلا يتطرق إليه التبديل والتحريف . وكذا تعليمه فرض كفاية والقراءات مثله [2]
صور من اختلاف المفسرين لا يعتد بها في الخلاف
أقول بادىء ذى بدء: ليس كل ما صورته الخلاف مما نلاحظه على أقوال المفسرين يعد خلافًا معتبرًا . بل إن كثيرًا من هذه الأقوال في أغلب الأحيان تلتقى في إطار واحد وما يمكن التقاؤه لا نستطيع أن نعتبره خلافًا معتدًا به ، ولذلك أسميناه سابقًا"خلاف التنوع"
يقول الشاطبى رحمه الله: الأقوال إذا أمكن اجتماعها والقول بجميعها من غير إخلال بمقصد القائل فلا يصح نقل الخلاف فيها عنه ... ... ..
(1) أنظر مقدمة محاسن التأويل 1/311
(2) إتحاف فضلاء البشر صـ7