فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 25

لقد جاء الإسلام ليواجه كل كفر، لا ليعتبره مانعا مشروعا وعذرا مقبولا يتعايش معه، وما دام الكفار هم الذين يحددون الخطوط الحمراء للدعوة فإنها تذهب وتنمحي مباشرة، فالذي يتكلم فيما يسمح له به فقط يضفي الشرعية على الأمور الأخرى المسكوت عنها، ويحرف الدين في أذهان الناس، إذ أنه يشعرهم بأن المساحة الأخرى المحمية من طرف الجاهلية توافق الإسلام و لا تعارضه بما أنه سكت عنها و أغض عنها الطرف، بل يمادحها في بعض الأحيان و يثنى عليها أحيانًا أخرى لتفتح له الأبواب المغلقة و تهيىء له جوا أكثر أمانًا ينطلق منه، ويعتبرون تلك المساحة المسموح بها كافية لتربية مسلم كامل الإسلام وإدخاله الجنة لكن أنبياء الله لم يتكلموا فيما يوافقهم فيه الناس فقط، و بالتالي لا ينتج عن هذه الصفقات إلا كائنات مشوهة تنتسب للدعوة و كأنها خليط جيني من العلمانية و الإسلام، إن الدعوة إلى الله لا تعيش في إطار الشرعية الوضعية و الأجواء القانونية الدستورية التي يؤمن بها خصومها، لكنها تجعل ذلك الشرع والدستور عدوها الأول إذ هو أبرز معالم الجاهلية، فتبطله بالحجة والبرهان تارة، و السيف و السنان تارة أخرى، فدعوة التوحيد إذن تعمل خارج الدستور والقانون والشرعية القانونية الجاهلية، ولا تعمل في إطار حرية الاعتقاد بالمفهوم العلماني بل هي ضدها و أعدى أعداءها، ولا تدعو إليها بل تناهضها و تبذل في القضاء عليها الغالي و النفيس، ولا تنتظر منها أن تمنحها الشرعية والاعتماد لتتحرك.

إن من طبيعة الجاهلية الفتنة عن دين الله، ولا تنتفي هذه الفتنة إلا بتحرير أرض الله من قبضة الطاغوت، و الصدام بين الإسلام والطواغيت لا مفر منه، سواء سعينا إليهم أو سعوا إلينا، فحتى وإن تخلى المسلمون عن الدعوة والجهاد فإن الكفار لن يسكتوا عنهم حتى يتركوا دينهم {و لا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا} .

فإن الواقع الجاهلي لا يساعد المسلم على التعايش معه والعمل للإسلام فيه، لأنه خِيط على مقاس الكافر.

ولا مناص من أن نكتوي بنار هذه الجاهلية، ولا مناص من أن نتجرع من عذابها السم والعلقم ما دمنا نعيش وسطها، فالجاهلية لا ترحم ولا ترقب في مؤمن إلًا ولا ذمة، ولذلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت