قال أبو عبد الرحمن: يرد على أبي محمد: إن العامي في حكمه لا يستطيع أن يجتهد، فلا بد له من [1] سؤال أهل العلم، وطاعتهم، وليس أهلًا لاعتقاد البرهان مجردًا عن اجتهاد العلماء، وإنما يأخذ اجتهادهم تقليدًا لا مفر من هذا [2] .
ويبدو أن أبا محمد لم يستطع الحيصة عن هذا الإلزام، فقال: ( يلزم العامي إذا سأل الفقه فأفتاه أن يقول له: من أين قلت هذا ؟ فيتعلم من ذلك مقدار ما انتهت إليه طاقته، وبلغه فهمه ) .
قال أبو عبد الرحمن: ليس هذا بشيء؛ لأن العامي ليس له فهم يوجه به مثل هذا السؤال، هذا من ناحية، ومن الناحية الأخرى: إنه لن يجد مجتهدًا يقول له الذي قلته حكم الله ؟ سيقول مهما كان يقينه من صحة فتواه: هذا من اجتهادي.
قال أبو عبد الرحمن: والصواب عندي أن المسلم لا يخلو من أحد أمرين لا ثالث لهما:
(1) نهاية صفحة 24
(2) قال ابن تميم الظاهري: العامي حكمه أن يسأل من يعلم كتاب الله وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا فرق بين العالم والجاهل إلا بالعلم بالكتاب والسنة، ومعرفة الخاص من العام، والناسخ من المنسوخ، ومعاني ألفاظ الشريعة، وبقدرة الجاهل أن يسأل عن ذلك، وهذا فرض العامي الجاهل، وليس فرض العامي الاجتهاد أصلًا.
وإن كان العامي ليس له فهم يسأل بمثل هذا السؤال كما قال شيخنا، فلا أدري كيف يأمره الله تعالى بالعمل بما أنزل في كتابه، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ثم لا يستطيع أن يسأل عنهما إذا أجابه المفتي.
وليست قضيتنا قول المفتي: هذا حكم الله، أو ليس بحكم الله، وإنما قضيتنا: ما هو فرض العامي، هل فرضه الاجتهاد كما هو فرض العالم ؟ وإن قلنا: فرضه الاجتهاد، فما هو نوع اجتهاده، فهل هو كاجتهاد العالم، أو غيره، فمن هنا تطرق هذه المسألة.