الوعي التاريخي نعني به ? ذلك التبصر الدائم والهادف بالتاريخ القريب والبعيد الذاتي والموضوعي الحاصل- أي التبصر- من غلال التوغل المركز في قراءة صفحات التجارب البشرية الكثيرة والمتنوعة وفحصها وتدبر أبعادها وخلفياتها واكتشاف المؤثرات والسنن التي ساهمت في بعثها وإيجادها قصد التزود والاعتبار ومحاولة تفهم الأسس السيكولوجية للكثير من الأحداث والصراعات والانفعالات والتأثيرات والحروب... الحاصلة والمتولدة عبر الأيام في تاريخ البشرية الحافل والطويل.
3)قيمة الوعي التاريخي....
وقيمة الوعي التاريخي بهذا المفهوم ترجع أساسا إلى كون علم التاريخ ومعرفته تجربة وعبرة أو كما يعبر عنه علامتنا ابن خلدون ?"فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياستهم حتى تتم فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا..." ( المقدمة- 13) ذلك أن التاريخ في حقيقته"خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال" ( المقدمة- 57)
ثم في كونه أيضا"تجربة عطاء في شتى مجالات المعرفة والحركة الإنسانية ... وانه حصيلة سنن تحكم الطبيعة والإنسان والعالم" ( في النقد الإسلامي المعاصر 123 للدكتور عماد الدين خليل) ومن هنا نرى القرآن الكريم يولي المسألة التاريخية أهمية كبرى.
4)القرآن الكريم والدعوة إلى التبصر والتاريخ
كثيرا ما يؤكد القرآن العظيم وهو الكتاب الحق والخالد على ضرورة الوعي التاريخي ويدعو المسلمين إلى التبصر الجاد والمستمر بأحوال الأولين والتمعن في سيرهم للاعتبار والاتعاظ بما جرى لهم حتى لا تتكرر الأخطاء وحتى يتجنبوا مزالق التيه والضلال التي وقع فيها من سبقهم من الأمم ومن ثم لينقذوا أنفسهم والبشرية من حولهم بما انهم شهداء عليها من سوء العذاب وخسران المصير.