وكلُّ ما تقدم نجده في كتابات فقهاء القانون ، وفي اختلافاتهم تمامًا ، فليس كلُّ ما يقول به كلُّ ذي رأيٍ في البحوث القانونيَّة يتحتَّم الأخذ به ، ولا يلزم من الأخذ برأي أحدهم في التطبيق القانوني ، أن تغلق المؤسسات البحثيَّة أبوابها ، ولا يترتب على ذلك منع المعاهد العلميَّة من الاستمرار في نشاطاتها ، بل لا يُحجر البحث المستقل في مثل ذلك ، بل إذا لجأ أحد أصحاب الآراء المخالفة إلى المحاكم ،لا يسعه إلاَّ التسليم بما يقضي به القاضي من رأيٍّ يخالف رأيه الشخصي في المسألة ! ، فيقضي وفق ما سنَّ من تشريع ، لا وفق ما يرى الفقيه المتخاصم من رأي ! .
وقد تلجأ الدولة في كثيرٍ من الأحيان إلى تعديل التشريع ، وقد تأخذ برأي ذلك الفقيه المخالف نفسه .. أو الكاتب القانوني ذاته ! ، فلا يستطيع أن يطلب نقض الأحكام القضائيَّة التي صدرت قبل تبنِّي رأيه الفقهي نفسه ، ومن ثمَّ سنَّه تشريعًا على الناس ، فالأحكام تكتسب صفة الإلزام .. أي صفة الأمر المقضيِّ به - كما يُسمُّونه - ، باكتسابها الدرجة القطعيَّة ، أي باستنفاد طرق الطعن التي يرسمها كلُّ قانون من القوانين .
وقد يُغيِّر الفقيه الواحد رأيه الاجتهادي ، كتغيير الإمام الشافعي لاجتهاده العراقي في مصر ، فأصبح له مذهبان: عراقي ، ومصري .
وقال علماؤنا: [ إنَّما يُغيِّر الفقيه رأيه إذا اتَّسع علمه ] .
إنَّ البيان المتقدِّم يصدق على الأفراد المنحازين في الرأي [ المقلدين ] لهذا الفقيه أو ذاك ، فإذا كان صاحب الرأي ذاته يُعامل هكذا ، فمن كان تبعًا له من بابٍ أولى ! .