... وهذا كله يدل على أنّ قراءتها جائزة عندهم ، ولم يقل أحد بأن تركها خطأ ، فينبغي أنْ يُحمل قوله على إرادة المبالغة ، بناء على زعمه المختار عند هذا القول الشاذ ، وعلى الخطأ في العبارة ، وقعت بطريق المشاكلة لكلام سائر المسألة ، ثم استثناؤه صريح ، منه أنه اتّبع الشرذمة ، وإنْ لم يُرد من قراءة البسملة في أولها كونها منها ، وإلاّ لاستوى الإدراج وغيره ، ويدل عليه المصحح أيضا ، لكن قد عرفتَ أنه مأمور في أول السور بها ، ومُخيّر في أثنائها ، فلا يطابق مدعاه [1] بأن تركها خطأ ، فملخص الكلام ، ومخلص المرام أنّ هذا قول شاذ ، مبني على غير قياس صحيح ، موهم أن تكون البسملة من أول براءة ، وهو مع ذلك بحمد الله سبحانه وتعالى الملك الجبّار ، ساقط عن حيِّز الاعتبار في عمل جميع أهل الديار ، حتى في كُتَّاب الصغار ، وما ذلك إلاّ بوعده تعالى حيث قال: [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ] [2] ، وبإخباره صلى الله عليه وسلم ( أنّ الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَنْ يجدد لها دينها) [3] ، فافتح بصرك للإنصاف ، وأغمض عين الاعتساف ، وانظر إلى ما قال ، وتأمل ما صحّ عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا ، وقد تبعه الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في هذا المقال ، بقوله: إذا صحّ الحديث فهو / مذهبي ، واضربوا في3 ب الحائط قولي ، وهذا ما ظهر لي في الجواب ، والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب .
تمت الرسالة المذكورة بحمد الله تعالى وعونه
وحسن توفيقه ، وهذا آخر ما انتهى
إلينا من ذلك ، والله أعلم
وصلى الله على سيدنا
محمد وعلى آله
وصحبه
وسلم
م
في 28 القعدة سنة 1276
(1) أي الذي ادّعاه = ما ادعاه
(2) الحجر 9
(3) المقاصد الحسنة 1/68 ، كشف الخفاء 1/243