فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 373

وحين صار الأمر إلى بني أمية ظلّت أعراق من ذلك العصر البطولي القريب حية دافقة في هذا المجتمع الجديد. وكانت منظومة القيم الجديدة قد استقرت وتوطدت على الرغم مما كان يثور في وجهها أحيانًا من رواسب القيم القديمة، ولكنها ثورة الذي يدافع عن نفسه حذر الانقراض لا ثورة المسيطر المهيمن الذي لا يرضى أن ينافسه أو يضارعه أحد.

ومهما قلنا عن الرّدة الاجتماعية التي شهدها العصر الأموي فإن الذي لا ريب فيه هو أن هذا العصر قد شهد تحولًا حاسمًا في تاريخ المجتمع العربي، فقد انتقل هذا المجتمع بعد أن مهّد له عصر صدر الإسلام من مرحلة البداوة إلى مرحلة التحضر وفي ضوء هذه النقلة الحضارية الضخمة ينبغي أن ننظر إلى مكانة المرأة في هذا المجتمع.

وبناء على ما تقدّم تبدو المرأة في العصر الأموي مختلفة اختلافًا واضحًا عن أختها في العصر الجاهلي. فمن هي المرأة في هذا المجتمع؟ وبماذا اختلفت عن أختها الجاهلية.؟ وإلى أيّ مدى غدت ذاتًا فاعلة في الذات الاجتماعية التي تعيش بين ظهرانيها.؟

ولهذا عمدت إلى دراسة"المرأة في الشعر الأموي"، وأردت أن أرصد كلّ ما كان للمرأة في هذا العصر، وبما أن بحثي في تاريخ الأدب لا في تاريخ الحضارة والمجتمع فإنه سيحاول التحقق من فرضه العلمي في ميدانه المعرفي الخاص، ميدان الشعر الأموي نفسه، مهتديًا في ذلك برؤية نقدية محددة ترى الأدب موازاة رمزية للمجتمع دون أن يعني ذلك أنه مجرد انعكاس حتمي لحركة المجتمع لا يتأخر عنها ولا يتقدم ولا يتنبأ ولا يقترح، بل هو انعكاس يعبّر عن روح المجتمع ومناخه العام ويعبر عن الراهن فيه، وعمّا يسمعه بحسه المرهف من حشرجات الموت وآلام الولادة، وعما يستشعره من أحلام غامضة وأشواق قصية. وبذلك فهو يتمتع باستقلاله الذاتي، ويكوّن بنية حيّة فاعلة في البنية الاجتماعية تخضع لقانون"التأثر والتأثير"لا بنية خاملة معزولة عاكسة فقط، ولذا فهو يواكب ويتنبأ ويقترح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت