وكان محمد بن بشير قد صحب رفقة من قضاعة إلى مكة، وكانت فيهم امرأة جميلة يسايرها ويحادثها، فخطبها إلى نفسها فقالت: لا سبيل إلى ذلك لأنك لست لي بعشير ولا أنا ممن تطمعه رغبة عن بلده، فلم يزل يحادثها حتى انقضى الحج، وفرق بينهما نزوع كل منهما إلى وطنه، وتعلقه به. فقال يذكر ما كان من أمره معها:
أستغفرُ اللهَ ربي من مُخَدَّرةٍ ... يومًا بدا ليَ منها الكشحُ والكَتَدُ
من رفقة صاحبونا في ندائهمُ ... كُلٌّ حرامٌ فما ذُمُّوا ولا حُمِدُوا
إلى أن يقول:
أَقْبَلْتُ أسأَلُها ما بالُ رفقتِها ... وما أُبالي أغابَ القومُ أم شهدوا
فقرَّبتْ ليَ واحلولَتْ مقالتُها ... وخوَّفتْني وقالَتْ: بعضَ ما تجدُ
أنّى ينالُ حجازيٌّ بحاجتهِ ... إحدى بني القين أدنى دارِها بَرِدُ [1]
بل إن بعضهن ربما اعترضت على الزواج بعد تمامه وبدا لها فيه رأي آخر، على نحو ما كان من أمر هند بنت النعمان بن بشير الأنصارية، فقد ذكر صاحب"المستطرف"خبرها فقال:"عندما وصف للحجاج حسنها أنفذ إليها يخطبها، وبذل مالًا جزيلًا، وتزوج بها وشرط لها عليه بعد الصداق مائتي ألف درهم، ودخل بها ثم إنها انحدرت معه إلى بلدة أبيها المعرة. وكانت هند فصيحة فأقام بها مدة طويلة ثُم رحل إلى العراق، فأقامت معه زمنًا، ثم دخل عليها في بعض الأيام وهي تنظر في المرآة وتقول:"
وما هندُ إلا مهرُة عربيةٌ ... سليلةُ أَفراسٍ تَحَلَّلها بَغلُ
فإن ولدَتْ فحلًا فلّلهِ دَرُّها ... وإن ولدَتْ بغلًا فجاءَ بهِ البغلُ
فانصرف راجعًا ولم تكن علمت به، فأراد طلاقها فأنفذ إليها مائتي ألف درهم وهي التي كانت لها معه مع عبد الله بن طاهر، وقال يا بن طاهر طلقها بكلمتين ولا تزد عليهما، فدخل عليها وقال لها: يقول لك الحجاج كنتِ فبنتِ، فقالت: إعلم يا بن طاهر، إنا والله كنا فما حمدنا وبنّا فما ندمنا وهذه الأموال لك بشارة بخلاصي من كلب بني ثقيف" [2] "
(1) المصدر السابق 63.
(2) المستطرف في كل فن مستظرف101