فَيُقَالُ لَهُ: كَمَا أَنَّ الشَّرعَ جَاءَ بِجَلْبِ الْمَصَالِحِ، فَهُوَ كَذَلِكَ جَاءَ بِدَرءِ الْمَفَاسِدِ، بَلْ نَصَّ العُلَمَاءُ عَلَى تَقدِيْمِ دَرءِ الْمَفَاسِدِ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَصَالِحَ الْمُعتَبَرَةَ هِيَ الْمَصَالِحُ الَّتِي يُحَدِّدُهَا الشَّارِعُ الْحَكِيْمُ لاَ الَّتِي يَمِيلُ إِلَيْهَا العِبَادُ بِآرَائِهِمْ وَرَغَبَاتِهِمْ وَضُغُوطِ وَاقِعِهِم.
قَالَ الشَّاطِبِيُّ -رَحِمَهُ اللهُ-: الْمَصَالِحُ الْمُجتَلَبَةُ شَرعًا، وَالْمَفَاسِدُ الْمُستَدفَعَةُ إِنَّما تُعتَبَرُ مِنْ حَيْثُ تُقَامُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لِلْحَيَاةِ الأُخْرَى، لاَ مِنْ حَيْثُ أَهْوَاءُ النُّفُوسِ فِي جَلْبِ مَصَالِحِهَا العَادِيَّةِ، أَوْ دَرءِ مَفَاسِدِهَا العَادِيَّةِ.
[الموافقات للشاطبي 2/27] .
ثم يقال: هل مفاسدُ (( قيادةِ المرأةِ للسيارة ) )أكثرُ وأرجح، أم مصالحها أكثرُ وأرجح؟
هذا ما سنبينه في العنصرِ الثاني من هذه المحاضرة -إن شاء الله تعالى-.
ثانيًا: قاعدةُ (( سدِّ الذَّرائعِ ) )قاعدةٌ شرعيةٌ عظيمةٌ، تكلم عنها العلامةُ ابن قيّم الجوزية -رحمه الله- في كتابه الماتع (( إعلامِ الموقعين عن ربِّ العالمين ) )وأطال النفس جدًا، وذكر لها تسعةً وتسعين دليلًا، وَبَيَّنَ اتفاقَ العلماءِ على اعتبارِ أصلِ هذه القاعدة، وأنّ جميعَ أوامرِ الشرع إنما جاءتْ لدرء المفاسد، فعبادةُ الله تعالى شرعتْ لدرءِ مفسدةِ عبادةِ غيرِه، والحدودُ أقيمت لدرء مفسدة وقوع التعدي على الأنفس والأموال والأعراض، وأكلُ المضطر للميتة أُذن به لدرء مفسدة الهلاك، وهكذا، نجد كلَّ شعيرةٍ، وكلَّ أمر قد جاء يدرأُ مفسدةً ستقع لولا تشريعُ تلك الشعيرة وذلك الأمر، وهذا من حكمة الله تعالى العظيمة.
ثم يقال: هل (( قيادةِ المرأةِ للسيارة ) )تحتاج إلى أن تطبق عليها هذه القاعدة؟