فهرس الكتاب

الصفحة 679 من 781

وأما ما يعرض من العجمة فينبغي أن لا تجيب حتى يحاولوا هم الكشف، فليس عليك أن تجيب عما لا تعلم، من أي الوجوه كانت العجمة: من الإعراب أو التذكير، أو التأنيث، أو غير ذلك. وهذه المواضع المغلطة تكون في بعض الأوقات أظهر، وفي بعضها أخفى. وربما اتفق أن يجتمع في شيء عدة وجوه من هذه فتزداد التباسا؛ وتستدعى وجوها مختلفة من الحل. وقد يكون في باب واحد ما هو أصعب وأسهل؛ مثل ما يكون في الواقعة في اتفاق الاسم، مثل النحو الذي تختلف فيه أحكام المحمول في موضوعات مشتركة الاسم.

والأقاويل المضحكة التي قد تستعمل في جنس المغالطة والشعر، فأكثرها من قبل اللفظ، مثل ما يقال في العربية:"يا نبيل يا حر"ويعني به شيء آخر؛ ومركبات، ونغمات، وتصحيفات مضحكة تذهبن على أولى الدربة، فضلا عن الأغتام، ولو كان التضليل من اللفظ؛ وليس إنما تقع الضلالة بهذه الوجوه للأغتام، بل كثيرا ما يضل بسبيها المجربون. والقول الحاد التأثير السريع العمل جدا هو الذي لا يفطن معه بسرعة هل الغلط في التأليف، أو في أنه لا ينبغي أن تسلم مقدمة، أو هو كذب صرفا، أو يجب أن يسلم بعد التفصيل، فإن مفهومها متضاعف، وأفواه ما بكت بما هو أشد شهرة من النتيجة ما كان من المجادلين يسأل عن طرفي سؤال أحدهما مشهور والآخر شنع حتى يدري أيهما ينفع تسليمه في مطلوب السائل، بل يكون من أمور مظنونة كلا الطرفين فيها سواء في الظن، ليس أحدهما أشهر. وفي مثل هذا إن استعمل الحاد المعاجل من السؤال عرضت الحيرة، لاستبهام الذي ينفع، وإشكال الأمر في الكاذب والصادق، وصحة القسمة السؤالية وفسادها، وقصر مدة النظر والتأمل. وكذلك إذا كان السؤالان سئلا ولم يعتن المسوق إليه الكلام بهما من طرفي النقيض حتى تكون مطالعة المطلوب تهدي سبيل المقاومة. وكذلك يشكل هذا التأليف على مستقيم أو على خلف. وكذلك القياسات المضللة المتقابلة التي تحتاج إلى ترجيح، ويصعب ويعلم أنها متقابلة يدفع بعضها موجب البعض، ولا يهتدي إلى السبب الذي من قبله تعرض، وأخذ الحاد أن ما يخفى وجه الغلط فيه هل هو من التأليف، أو من المقدمات، وهل فيها كذب أو حاجة إلى تفصيل الاسم المشترك. وبعد ذلك ما نعلم مثلا أن المغالطة ليست في التأليف، ولكن يشكل هل هي بسبب كذب أو حاجة إلى تفصيل، ثم لا نعلم أن ذلك في أي مقدمة. ويكون الركيك من هذه القياسات ما ليس فيه شهرة، أو استعمل فيه في جملة ما يسلم شيء لم يتسلم.

ولا يجب أن نجعل سوء ترتيب المقدمات سببا للاستهانة إذا كانت صحيحة - صحيحة أحوال الحدود - وأخذ بسرعة إلى الصحة، بل يجب أن يستعان بها؛ كان القول غير موهم شهوة المقدمات، ولا إنتاج التأليف، إذ يكون السائل ضعيفا غير محنك.

ويجب أن تتلطف في النقض، فتارة تقصد به القول، وتارة القائل، بأن ترى أنه لم يسأل جيدا؛ فإن السؤال قد يراد به تارة المجيب نفسه، وتارة قد يراد به الأمران.

(و) فصل

قد بينا وجوه المغالطات وحلها، ووجه السؤال بها، وأخذ مقاومتها، والواجب أن نعود إلى إجمال القول في غرضنا: قال المعلم الأول: إنا لما حاولنا أن تكون لنا قوانين نقتدر بها على إيراد القياسات من المشهورات لغرض جدلي أو امتحاني، وكان السوفسطائي يشاكل هذين - أي الجدلي والامتحاني؛ أما الجدلي فلأن موضوعاته مشتركة، ولأن السوفسطائي قد يتشبه بالجدلي، ويسمى بحسب ذلك مرائيا؛ وأما الامتحاني، فمن حيث المغالطة، ومن حيث يشارك الجدلي أيضًا - أردفناه بالنظر في هذه الصناعة. ولم نتشعب ولم نقتصر على ما للسائل في ذلك، بل وما للمجيب في حفظه الوضع بالمشتركات، وعلى ما يجب أن يراعيه في الأمور المشهورة، وما للمتشبه بالمجيب حفظا منه لأوضاع سوفسطائية. والحفظ بالجملة أصعب من السؤال، إذ السؤال كالهدم، والحفظ كالبناء. وينبغي للحافظ أن يحتفظ بالمشهورات لا غير. واما السائل فيعمل من كل ما يتسلمه؛ وكذلك كان سقراط لا يجيب، إذ كان يعترف أنه لا يحسن ذلك، بل كان يقوم مقام السائل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت