ومثال الخامس الهيولى إذا وصفت بالبياض أو السواد أو التحيز وما أشبه ذلك، وكذلك الجسم المطلق إذا وُصُف بأنه مستعد للحركة والسكون في الأين وغير ذلك؛ فإن الهيولى غير متقررة الوجود بنفسها، وكذلك الجسم غير متقرر الوجود في نفسه. وهذه الأحوال ليست مما تقرر هذه أو ذاك، وإن كانت تلزم من بعد كل ما يتقرر بما تقرره أو تتبعه وتلحقه. فما كان من هذه الجملة له صفة ليست لاحقةً من خارج لتقوِّمه، بل كان الموصوف متقوما في ذاته أو غير متقوم، فإنه يسمى موضوعا لتلك الصفة؛ فلا تكون الهيولى موضوعةً للشئ الذي يسمى صورة؛ لأنها صفة خارجية مقوِّمة للهيولى شيئا بالفعل؛ ويكون الإنسان موضوعا للحيوان، لأن الحيوان ليس لاحقا له من الخارج، وإن كان يقومه، بل هو جزء وجودهِ؛ ويكون الجسم موضوعا للبياضِ، لأنه وإن لم يتقوم بعد، فليس يتقوم إذا تقوم بالبياض، بل إنما يتقوم بأشياء أخرى؛ فهو إذا قيس إلى البياض يكون قد تقوم دونه؛ ويكون البياض موضوعا للون، لأنه ليس يتقوم به على أنه من خارج؛ ويكون جميع ما نسبته إلى الصفة ليست على نسبة شئ إلى الخارج المقوم موضوعا، سواء كانت الصفة مقومة وليست خارجة، أو كانت خارجة وليست مقومة.فيجب أن تفهم من الموضوع ههنا هذا، وإن كان قد يستعمل في مواضع أخرى استعمالات كثيرة.
وفى هذا التفصيل فوايد: أحدها الشعور بهذا الاختلاف؛ والثانى ليكون الموضوع المستعمل في نسبتى"فى"و"على"المذكورين بعد معنى كالجامع، ثم تفصل النسبة إليهما، أعنى إلى نسبة"فى"وإلى نسبة"على"، وأن يكون بين العرض والصورة فرق، وأن يحتاج إلى أن يقال إن شيئا واحدا قد يكون عرضا وجوهرا؛ وهذه أشياء ستعرفها عن قريب، وتعرف ما في إغفال هذا الأصل الذي أعطيناك من الخلل.