والفرق بين البحثين أنا ابتدأنا في الأول منهما من الموضوع المحدود وأخذنا نصعد في المحمولات. وابتدأنا في الثاني منهما من المحمول المحدود وأخذنا ننزل في الموضوعات.
ولتكن أ محمولة على ج بوسط ب - سواء كان أ لا محمول عليه أو عليه محمول؛ و ج لا موضوع له أو له موضوع. فهل يمكن أن يكون بين أ وبين ب أوساط موضوعات ل أ ومحمولات على ب بلا نهاية، وبين ج، ب كذلك؟ وهذا البحث يفارق الأولين بأن المحدود كان في ذينك طرفا واحدا، والمحدود هاهنا طرفان. وإنما يطلب: هل الوسائط بينهما بغير نهاية، فيكون هذا البرهان متوقفة الصحة على براهين بلا نهاية؟ وليس هذا و ج موجب لها أ فقط، بل وإن كانت مقدمة أ ج سالبة والمتوسط ب فصارت ب ج موجبة أ ج سالبة. فهل دائما بين أ ج واسطة؟ وكذلك هل بين كل كبرى سالبة تحدث واسطة، أو تقف قبل؟ وهذا الطلب لا يكون في الأشياء التي تستحق أن ينعكس بعضها على بعض، إن كانت أشياء تستحق أن ينعكس بعضها على بعض في الحمل بالحقيقة وليس فيها موضوع أول ومحمول ثان، بل كل واحد منها يصلح أن يكون محمولا وموضوعا، أو واسطة بين محمول وموضوع. بل الشك يكون منا في الحالتين جميعا أنه هل يوجد لما وضع محمولا شيء آخر ينعكس عليه وعلى صاحبه بحيث يذهب إلى غير النهاية، أو هي محدودة؟ وإذا استبان تناهي حمل والحمل وضع، اللهم إلا أن يكون الحكم كل واحد منهما في العكس مثل حكم صاحبه. بل يكون أحدهما حمل حملا حقيقيا والآخر حُمل حملا عرضيا.
أقول: إن لهذين تأويلين: أحدهما أن يكون الحمل الحقيقي مثل حمل الضحاك على الإنسان، والعرضي كحمل الإنسان على الضحاك. فإن ذهب هذا المذهب فمعناه أن هذه المتعاكسات تكون في الطبع أحدهما موضوعا والآخر محمولا متعينا، ولا يكون حكمهما على ما قلنا من انه ليس أحدهما أولى من الآخر بذلك. والتأويل الثاني أن يكون الحمل العرضي كحمل الإنسان على الحيوان، والحمل الذاتي الحقيقي كحمل الحيوان على الإنسان: فإنه وأن حمل حيوان على إنسان وإنسان على حيوان فالموضوع والمحمول بالذات معين. وإذ قد تقرر هذا فنقول: إن الوسائط بين حدي الإيجاب متناهية. فليكن كل ب أ: فنقول إن الوسائط بينهما متناهية وهي الأشياء التي تحمل على كل واحد منها، أو يحمل واحد منها على ب وبعضها على بعض في الولاء. وذلك أنها إن كانت بغير نهاية لكان إذا أخذنا من جهة ب، صاعدين على الولاء، أو من جهة أ نازلين على الولاء، لم نبلغ البتة الطرف الثاني. سواء أخذنا بعضها على الولاء بلا واسطة بينها، أو أخذنا بعضها وقد تركنا الوسائط فيما بينها، أو أخذنا الكل متتالية ولا واسطة بينها وكانت لا تتناهى، أو أخذنا الكل على طفرات يتضاعف لها مالا نهاية له، فإن الكلام في ذلك واحد. فإذا كنا كلما ابتدأنا من حد لم ننته إلى حد أخير، فليس هناك حد أخير: فإنه لا فرق بين قولك هذا سبيل لا يتناهى عند السلوك، وقولك لا حد له. وكذلك قولك له حد، وقولك يتناهى إليه عند السلوك واحد. ثم من المحال أن يكون حد محدود ولا يبلغ إليه، ونهاية لا يتناهى إليها. ويكون ذلك كقول من يقول أنت إذا أخذت تتصاعد من الواحد لم تبلغ البتة الألف الذي هو حد محدود لن بينهما درجات للعدد بلا نهاية. ولا ينتقض هذا بالمقادير ويقول القائل: إن بين طرفي كل مقدار حدودا بالقوة بلا نهاية، وذلك لأن المقادير المتصلة لا قسم لها ما لم يقسم البتة: وكل قسم يفرض فيها يكون محدود العدد، وأن اللا نهاية التي تتوهم بين حدين منها هو أمر بالقوة، أي تلك الحدود التي فيها هي في القوة، ووجودها في القوة، ولا توجد البتة موجودة بالفعل، بل واحد منها بعد واحد.والذي نحن في البحث فيه فإن فيه حدين وطرفين. وإذا كان بينهما وسائط، تكون معاني تستحق ترتيبا في أنفسها، كانت حاصلة لا متوقفة على قسمة قاسم. فبين إذن أنه لا يمكن أن يكون بين مثل هذين الطرفين وسائط بلا نهاية.