فهرس الكتاب

الصفحة 484 من 781

ولذلك فإن أوائل العوارض الذاتية لكل واحد من الموضوعات فإنما تعرف بالحس أولا ثم يكتسب من المحسوس معقول آخر: مثل المثلث والسطح وغير ذلك في علم الهندسة، سواء كانت مفارقة أو غير مفارقة، فإن وجوه الوصول إليها أولا بالحس. فهذا قول مجمل قيل في التعليم الأول. ونحن فقد حاذينا بكلامنا ذلك، على أنا نزيدك تفصيلا فنقول: يجب أن نعلم انه ليس شيء من المعقولات بمحسوس؛ ولا شيء من المحسوس، من جهة ما هو معرض للحس، بمعقول، أي معرض لإدراك العقل له، وإن كان الحس مبدأ ما لحصول كثير من المعقولات. ولتمثل لهذا من الإنسان المحسوس والمعقول أولا فنقول. إن كل واحد من الناس المحسوسين فإن الحس يناله أيضًا بقدر ما من العظم، وهيئة ما من الكيفية، ووضع ما معين في أجزاء أعضائه، ووضع له في مكانه. وكذلك تنال هذه الأحوال في عضو عضو منه. فلا يخلو إما أن يكون هذا الذي أدركه الحس هو الإنسان المعقول، أو يكون المعقول شيئا غير هذا المحسوس - وإن كان يلازمه. ثم من البين أن الإنسان المعقول مشترك فيه على السواء. فزيد عند العقل إنسان كما وعمرو إنسان، وذلك بالتواطؤ المطلق. وهذا المحسوس ليس بمشترك فيه: إذ ليس مقداره وكيفيته ووضعه مشتركا فيها. وهو غير محسوس هذا المحسوس إلا كذلك.

فإذن ليس الإنسان المعقول هو المقصور في الخيال من الإنسان المحسوس. وبالجملة إن الشيء الذي يصادفه الحس ليس هو حقيقة الإنسان المشترك فيها، وليس هو الذي يصادفه العقل منها إلا بالعرض. فلننظر كيف يجب أن يكون الإنسان المعقول فنقول: يجب أن يكون مجردا عن شريطة تلحقه من خارج مثل تقدير بعظم ما معين، وتكييف بكيفية ما معينة، وتحديد بوضع ما معين، وأين ما معين. بل يكون طبيعة معقولة مهيأة لأن تعرض لها كل المقادير والكيفيات والوضاع والأيون التي من شأنها أن تعرض للإنسان في الوجود. ولو أن الإنسان كان تصوره في العقل بحده مقترنا بتقدير ما أو وضع ما وغير ذلك، لكان يجب أن يشترك فيه كل إنسان. وهذا العظم المشار غليه، والوضع والأين وغير ذلك إنما يلحق الإنسان من جهة مادته التي تخص به.

فبين أن الإنسان من حيث يتصور في العقل بحده، مجرد بتجريد العقل عن المادة ولواحقها، وهو بما هو كذلك غير متطرق إليه بالحس. بل الإنسان إذا تناوله الحس تناول مغمورا بلواحق غريبة. ثم نقول: إن الموجودات فسمان: معقولة الذوات في الوجود، ومحسوسة الذوات في الوجود. فأما معقولة الذوات في الوجود فهي التي لا مادة لها ولا لواحق، وإنما هي معقولة بذاتها لأنها لا تحتاج إلى عمل يعمل بها حتى تصير معقولة، ولا يمكن أن تكون محسوسة البتة. وأما المحسوسات الذوات في الوجود فإن ذواتها في الوجود غير معقولة بل محسوسة، لكن العقل يجعلها بحيث تصير معقولة لأنه مجرد حقيقتها عن لواحق المادة.

ونقول إنه إنما يكتسب تصور المعقولات بتوسط الحس على وجه واحد، وهو ان الحس يأخذ صور المحسوسات ويسلمها إلى القوة الخيالية فتصير تلك الصور موضوعات لفعل العقل النظري الذي لنا، فتكون هناك صور كثيرة مأخوذة من الناس المحسوسين، فيجدها العقل متخالفة بعوارض مثل ما تجد زيدا مختصا بلون وسحنة وهيئة أعضاء، وتجد عمرا مختصا بأخرى غير ذلك. فيقبل على هذه العوارض فينزعها فيكون كأنه هذه العوارض منها ويطرحها من جانب حتى يتوصل إلى المعنى الذي يشترك فيه ولا يختلف به، فيحصلها ويصورها. وأول ما يفتش عن الخط الذي في الخيال فإنه يجد عوارض وذاتيات؛ ومن العوارض لازمة وغير لازمة، فيفرد معنى معنى من الكثرة المجتمعة في الخيال ويأخذها إلى ذاته.

وأما كيفية هذا الصنيع ومائية القوة الفاعلة لذلك، والقوة المعينة للفاعلة، فليس هذا الموضع موضع العلم به، بل هو من حق علم النفس. لكن الذي نقوله هاهنا فهو: أن الحس يؤدي إلى النفس أمورا مختلطة غير معقولة، والعقل يجعلها معقولة. فإذا أفردها العقل معقولة كان له أن يركبها أنحاء من التركيب، بعضها على التركيب الخاص بالقول المفهم لمعنى الشيء كالحد والرسم، وبعضها بالتركيب الجازم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت