فهرس الكتاب

الصفحة 268 من 781

ولكن مراعاة مقابلة ضرورتي الإيجاب والسلب معا للسلب الممكن، أمر كان منسيا إلى هذا الموضع، وقد تذكروه ههنا. فعسى أن يكون كلامهم فيما سلف ليس بحسب الممكن الحقيقي، بل بحسب الممكن العام، أو هي امتحانات. وقالوا أيضا: إن هذه المقدمة، وإن لم تنعكس كليا، فستنعكس جزئية. وهذا شيء له تأويل ما بعيد في التعليم الأول. ولكن الذين جاءوا من بعد فقد قالوا: إنه ينعكس جزئا على ظاهره. وذلك لأن قولنا: لا شيء من ج آ بالإمكان الحقيقي، ينعكس: أن كل ج آ بالإمكان الحقيقي، وهذا ينعكس: أن بعض آ ج بالإمكان الحقيقي. إذ الممكن الموجب ينعكس جزئيا موجبا عندهم، ثم ينعكس هذا إلى السالبة بأنه يمكن أن لا يكون بعض ج آ. فقالوا: إن السالب الجزئي الممكن ينعكس لاستحالته أولا موجبا جزئيا، ثم انعكاس ذلك جزئيا موجبا؛ ثم انقلاب ذلك إلى السالب الجزئي. فهذا ما قالوه، بل أقوى ما قالوه. وليس يعجبني قولهم: إن الكلي الموجب الممكن ينعكس جزئيا موجبا ممكنا حقيقيا؛ بل إنما ينعكس ممكنا بالمعنى العامي الذي لا يجب أن ينعكس سلبه على إيجابه. وذلك أنه يمكن أن يكون نوع، وله أمر ما بالقوة في أشخاصه كلها، وذلك الأمر لا يصح أن يكون شيء يوصف بأنه هو إلا ويحمل عليه النوع، كقولنا: كل إنسان يمكن أن يخجل، فكل خجل فهو إنسان بالضرورة. وكذلك كل إنسان يمكن أن يتحرك، والمتحركات بعضها ناس بالضرورة، وبعضها بالضرورة ليس ناسا، اللهم إلا أن يقصدوا قصد السور الذي جاز لنا الآن أن نعقله. والذي تكلفه بعض المتكلفين أن بعض الخجلين بالقوة ناس بالقوة، فقد أجبنا عنه في مواضع. ولو صح مثل هذا القول، لصح قول القائل بعض الناس حيوان بالإمكان الحقيقي؛ إذ كان بعض الناس بالقوة حيوانا بالقوة. ولالذي قاله بعض الفضلاء إنا نقول: كل حيوان ممكن أن يكون نائما من جهة ما هو نائم، فبعض ما هو نائم من جهة ما هو نائم ممكن أن يكون حيوانا، لأن حيوانيته ليست له من جهة ما هو نائم، فمغالطة صرفة. أما ما يجب أن يعلم في هذا بالحقيقة، فأمر قد سلف بيانه. وأما القدر الاذي ينبغي أن نعيده ونقوله ههنا فهو: أن لفظة من جهة ما هو نائم، إما أن تقال على أنها جزء من المحمول أو من الموضوع. فإن كانت جزئا من المحمول، فيجب أول شيء أن تجعل في العكس جزءا من الموضوع، حتى يقال: وبعض ما هو نائم من جهة ما هو نائم فممكن أن يكون حيوانا. وهذا كما تسمعه. ثم هب أنه حق، فليس كلامنا فيه. فلا يمنع أن يكون مواد تنعكس فيها الممكنة ممكنة. وليس دليل صحة العكس هو أن تُرى مواد ينعكس فيها الشيء؛ بل دليل صحته أن القضية لا تنعكس، هو أن ترى ماجدة لا تنعكس فيها. وإذا كان ذلك كذلك، فهب أن هذا حق ومنعكس. ولكن أنت تعلم أيها الفاضل أن النائم بلا شرط غير النائم بشرط أخذ كونه نائما، ومن جهة ما هو نائم، والنائم بلا شرط ممكن الحمل على الحيوان ثم لا ينعكس. فإنه لا يخلو إما أن يحمل عليه الحيوان أو لا يحمل، فإن لم يحمل البتة فليس ينعكس. فإن حمل عليه دائما فهو ضروري. وإن حمل عليه وقتا دون وقت، فسيكون: نائم، ليس بحيوان. وهذا محال. وإما أن يكون جزءا من الموضوع، ولنساعد حينئذ، ولنسلم أن النوم يكون ممكنا له ويكون في هذه المادة ينعكس، ولكن كلامنا في أن نأخذ الحيوان حيوانا، ونعتبر معه النوم على أنه محمول بلا شرط يلحق الحيوان، أليس يكون النوم ممكنا له ولا ينعكس؟ فهذا الفاضل في تكلفة هذا يجرنا قهرًا إلى أن نجعل المثال الذي أوردناه مثالًا آخر يوافق غرضه. ونحن إذا ساعدنا وسامحنا أن يكون المثال الذي يقلب عليه اعتباره هو على ما يقول، وانعكست الممكنة هناك صادقة، فلم يجب أن تكون منعكسة على الإطلاق، اللهم إلا أن يجرنا كرهًا على أن نعتقد أن لا فرق بين المثالين. وهذا مما لا يضطرنا إليه.وكيف ونعلم أن الحيوان بما هو نائم معنى، والحيوان معنى، والنائم مطلقًا معنى. وقد بينا الفرق بين ذلك كله فيما سلف، مما ل لا حاجة إلى مزيد عليه. فالحق ما نقوله، والباطل ما يتعصبون له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت