واعلم أنه إذا كان شئ معدوما في نفسه محالا في وجوده، ولم يكن تصوره وحده أو التلفظ بلفظه وحده يدل على صدق أو كذب، مالم يقترن به أنه موجود أو غير موجود اقترانًا في الذهن أو في اللفظ، مثلا بأن يعتقد أن عنزايل موجود، أو يعتقد أنه غير موجود، ويقال إن عنزايل موجود ويقال إن عنزايل غير موجود، إما مطلقا بلا اشتراط زمان أو باشتراط زمان أنه كان موجودا فيه أو يكون موجودا فيه أو زمان حاضر. والذى يقال إن معنى المطلق المستعمل في هذا الموضع هو المشترط فيه زمان حاضر أو المشترط فيه كل زمان حتى يكون معنى قولهم (( أو في زمان ) )أنه في زمان ماض أو مستقبل، دون الذى في زمان حاضر، فليس يعجبنى كل الإعجاب. وما أومأت إليه أقرب إلى الصواب. فلننظر الآن في الاسم والكلمة.
( ب) فصل
فالاسم لفظة دالة بتواطؤ مجردة من الزمان وليس واحد من أجزائها دالًا على الانفراد. وقد علمت معنى التواطؤ. وأما معنى كونه مجردًا من الزمان فهو أن لا يدل على الزمان الذى لذلك المعنى من الأزمنة الثلاثة المحصلة؛ كما إذا قلت: زيد، فلم تدل على معنى قد دللت معه على زمان ذلك المعنى. ومعنى قولنا (( وليس ولا واحد من أجزائه دالًا على انفراده ) )معناه أنا لا نقصد في دلالتنا بقولنا (( الإنسان ) )أن ندل بواحد من أجزائه على شئ ألبتة، من حيث هو منفرد، بل نستعمله على أنه جزء دال، لا دال بانفراده، فإنه لا يوجد في قولنا (( الإنسان ) )جزء يراد به الدلالة على معنى من المعانى أصلا، حين يراد أن ندل بقولنا (( الإنسان ) )، وإن كان ربما أريد به الدلالة إذا استعمل لا على أنه جزء لفظة إنسان، بل على أنه لفظ مستعمل في نفسه لم يجعل جزءًا لما إنما يدل بجملته دلالة ما، وربما لم توجد له دلالة ألبتة بوجه من الوجوه وحيث توجد له دلالة فلا يكون ذلك من حيث هو جزء قولنا (( إنسان ) )؛ فإنه إنما يكون جزء إنسان إذا استعمل في لفظة الإنسان من حيث يراد أَن يدل بالإنسان جملته؛ فهنالك لا توجد له دلالة أَلبتة بوجه من الوجوه. وقد كنا أَومأنا إلى هذا في مواضع أَخرى.
وليس هذا في مثل لفظة الإنسان فقط، بل في الألفاظ التى هى بحسب المسموع مركبة، لكنها لا يُدل بها على أنها مركبة، فهذا شأنها، كقولهم (( عبد الملك ) )إذا لم يرد أَن يُدل به على شئ من جهة ما هو عبد الملك، بل جُعل هذا اسمًا لذاته؛ فهنالك لا يوجد للفظة (( عبد ) )من حيث هو جزء من (( عبد الملك ) )دلالة على شئ أَلبتة، فإنك تعلم أَن الدال بلفظة (( عبدالملك ) )على هذا النحو ليس يدل بالعبد في هذا الموضع بانفراده على شئ أَصلا، ولا بالملك. فهكذا يجب أَن تفهم هذا الموضع.
وأَما الأسماء البسيطة فقد يكون لها أَجزاء لا تدل أَصلا، لا من حيث هى جزء، ولا لو انفردت. وأَما جزء اللفظ المركب، فإِنه يدل على شئ لا حين ما يوجد جزءا من جملة المركَّب مدلولًا بالمركب على ما دل به عليه كقولك (( عبد الملك ) )فإِنه حينئذ لا يتوقع أَن يدل بانفراده، من حيث هو جزء لفظ، حتى يكون إنما يورد ليلتئم به كمال اللفظ فيلتئم كمال الدلالة، بل هذا في استعمال آخر. وإلحاق التواطؤ بعد قولنا (( لفظة ) )قد تُوهم أَنه هذر من القول، فقد يظن أَن اللفظ لا يدل إلا أَن يكون بالتواطؤ وكذلك قيل إنه كان يجب: أَن يقال بدل اللفظ الصوت، فأقول إِن هذا باطل فإنه لا يحسن أن يستعمل في هذا الموضع الصوت فإن الصوت مادة لا جنس والمادة لا تُحمل على الشئ المعمول من مادة وصورة إلا بنوع من المجاز أَو الجهل، إذ يقال للصنم إِنه حجر والكرسى إنه خشب، وأَما الحدود الحقيقية فلا يجب أَن تستعمل فيها المواد مكان الأجناس. أَما الفرق بين الجنس والمادة فمما تشتبه الحال فيه وتشكل، ولكنه سيتبين لك ذلك في هذه الصناعة من بعد، وكذلك تحقيق ما قلناه من أَن المادة لا يجب أَن تؤخذ مكان الجنس، بل يكون ذلك كاذبًا. وأَما أَن الصوت مادة فتتحقَّقُه في العلم الطبيعى.