الثامن: شيوع الاتباع والتقليد، حتى سمّي مَن بعدهم بالتابعين، ولا يكون ذلك إلا لشدّة الملازمة والمتابعة لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما كانوا عليه، فالصحابة - رضي الله عنهم - انتشروا في البلاد المفتوحة واستقروا فيها، كما سنفصل ذلك في الدور التالي؛ ليعلموا الناس دينهم، ويفتوهم فيما جدّ عليهم من مسائل، وينقلوا لهم كلّ ما تلقوه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قرآن وسنة وفقه.
فصار للصحابة - رضي الله عنه - في البلاد التي انتقلوا إليها أصحاب وتلاميذ يتعلمون على أيديهم وينقلوا علومهم وفتاويهم، وصار الغالب على أهل كل بلد فقه مَن عاش فيه من الصحابة - رضي الله عنه -، وكان حال العامّة هو التقليد لمذاهب هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم - كلٌ على حسب ما يصل إليه من علم، ولا يصل إليهم في العادة إلا علم وفتاوى من هم بين أظهرهم من الصحابة - رضي الله عنهم - في بلدتهم.
وهذا التقليد والاتباع لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولمن جاء بعدهم من العلماء المجتهدين لأنه كما يقول العلامة تقي الدين العثماني (1) : (( إن الطاعة بالذات لا تصلح في الشريعة الإسلامية إلا لله سبحانه ورسوله، وإن أحكام الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - مبيّنة في الكتاب والسنة إما صراحة وإما تضمنًا كما بسطه الأصوليون في كتبهم، فكل حكم وجد في الكتاب والسنة صريحًا ولا يحتمل إلا المعنى الظاهر منهما ولا يعارضه حكم آخر في الكتاب والسنة، فإن ذلك الحكم يجب العمل به عند الأمة جميعًا، وليست تلك المسألة محلًا للاجتهاد أو التقليد مثل فرضية الصلاة والأركان الأخرى وحرمة الزنا وشرب الخمر وأكل الربا والكذب في الكلام وأمثال ذلك، فإن جميع هذه الأحكام ثابتة بالكتاب والسنة لا مجال فيها للاجتهاد ولا حاجة فيها إلى التقليد.
(1) في أصول الافتاء ص15-17.