الأول: أن يأمره - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد, كما حكّم النبي - صلى الله عليه وسلم - سعد بن معاذ - رضي الله عنه - في بني قريظة باجتهاده فحكم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (لقد حكمت بحكم الله أو حكم الملك) (1) .
الثاني: أن لا يأمره - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد ولكنّه علم - صلى الله عليه وسلم - به وأقره عليه, كما في حديث أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه: (خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام حنين فذكر قصته في قتله القتيل وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من قتل قتيلا فله سلبه,… فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله وسلب ذلك القتيل عندي فأرضه عني، فقال أبو بكر جوابًا؛ لهذا القائل: لاها الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله فيعطيك سلبه، فقال - صلى الله عليه وسلم: صدق) (2) فإن الظاهر أن هذا من أبي بكر - رضي الله عنه - بالاجتهاد, وهو بحضرته,وقد صوبه - صلى الله عليه وسلم - بتصديقه له في ذلك (3) .
الميزة الثانية: التدرج في التشريع، وفيه نوعان:
الأول: أن الأحكام الشرعية لم تنْزل دفعة واحدة، وإنما نزلت في أوقات متفاوتة في مدة نبوته - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا التدرج في التشريع يعود لرفع الحرج عن المسلمين؛ لقرب عهدهم بالكفر، واستقطابًا لقلوبهم إلى الإسلام في بدء أمره، يوم كان غضًا طريًا، أما بعد هذا العهد فقد أصبح الإسلام عزيزًا قويًا، وامتلأت قلوب المسلمين ثقة به، وصار له دولة ورجال يذودون عن حماه، فلم يعد حاجة لهذا التدرج.
(1) في صحيح البخاري 3: 1384، وصحيح مسلم 3: 1389، وصحيح ابن حبان 15: 496.
(2) في صحيح البخاري 3: 1144، وصحيح مسلم 3: 1371، وغيرهما باختصار.
(3) ينظر: تفصيل مسألة اجتهاد الصحابة - رضي الله عنهم - في التحرير ص528، والتقرير والتحبير 3: 301-303، والبحر المحيط 8: 255-264، وغيرها.