لكن الدكتور هشام سرعان ما ركبته الحالة التى ساعةً تَرُوح، وساعاتٍ تجىء، فأنكر أن يكون أبو النبى قد مات وهو في بطن أمه. ومن بين ما تنطع به لإيهامنا بصحة هذا التخلف قوله إن كتاب السيرة إنما قالوا ذلك حتى لا يكون لأحد فضل عليه. ألم يقل الله له:"ألم يجدك يتيما فآوى"؟ (ص146 - 147) . طيب يا بطلنا الهمام، وهل إذا مات أبوه وهو في بطن أمه، ألن يتولى تربيته بدلا من أبيه شخص آخر سوف يكون له فضل رعايته، وهو هنا جده عبد المطلب أولا ثم عمه أبو طالب ثانيا؟ أم تراهم قالوا إن الغزالة هى التى ربته كما هو الحال مع المأسوف على شبابه حَىّ بن يقظان بطل قصة ابن طُفَيْل؟ لكن هذه أضرط من الأخرى، فخَلِّنا في الراعى البشرى، فهو أفضل من الغزلان.
لاحظ، يا قارئى العزيز، أن هذا كله لا قيمة له في مجرى أحداث السيرة، وجعيط نطّاط الحيط يعرف ذلك كله وغير ذلك كله، إلا أن المراد هو إيقاع البلبلة في نفوس العرب والمسلمين حتى لا يطمئنوا إلى شىء يتعلق بحضارتهم وتراثهم ودينهم ونبيهم. أفهمت الدور الذى يحاول المحفَّظ، اسم النبى حارسه وصائنه، أن يقوم به؟ وبالمناسبة فقد كانت الحالة التى اعترته هنا من النوع الثقيل الخطير، إذ شكك أيضا في اسم والد الرسول، كما شكك في اسم الرسول نفسه على ما قرأتَ لى في بحث آخر مسحنا فيه بما كتبه المحفَّظ الأرض قبل مدة. ولهذا نضرب صفحا عن هذا القىء، وبخاصة أننا لا ننوى تناول كل ما قاله، وإلا ما فرغنا، إذ الساحة تفيض بأمثاله ممن لو تفرغ لهم الواحد ما وجد وقتا حتى لدخول الحمّام!
وهو يتكلم عن القرآن صراحة على أنه من عمل النبى عليه السلام، استقى ما فيه من أفكار وعقائد وقصص من أهل الكتاب حين كان يقيم بالشام ويتصل بهم هناك، ولكن بعد أن تعلم قبل ذلك في بلاده على يد الحنفاء (ص151 وما بعدها. وهو، في الصفحة السادسة والأربعين من الجزء الأول من الكتاب، يرى أن الرسول لو كان قد قال للناس إن القرآن نتاج تفكيره هو لفشلت الدعوة، وإن أضاف ما معناه أنه صلى الله عليه وسلم كان مقتنعا مع ذلك أن القرآن هو من عند الله. أى أنه كان واهما مخدوعا يتصور ما لا حقيقة له) .
والطريف، وكل أمر الرجل طرائف، وإن كان بعضها كارثيا، أنه يعود بُعَيْد ذلك في نفس الصفحة فيتظاهر بالهجوم على المستشرقين الذين يقولون بأن القرآن هو من صنع النبى. لكن لماذا؟ لأنهم ينظرون"إلى الإسلام والقرآن نظرة خارجية مجردة من كل إيمان" (حمِش والله!) ، ومن ثَمَّ يَعْمَوْن عن"سعة علم النبى ومقدرته الفذة في معرفة التراث الدينى واللغات السريانية والعبرية واليونانية التى نجد أثرها في القرآن ومعرَّبا في الشكل"، وكذلك عِلْمه"بالكتاب المقدس والأناجيل المزيفة والتلمود وآثار الربانيين"، فضلا عن"مقدرته الفائقة في الإبداع الدينى والخَلْق التشريعى".
لكن هذه واسعة حبتين يا دكتور! ومع ذلك فإنى أشد على يديك وأشكرك على أنك، وإن نفيت أن