الصفحة 4 من 31

ورغم كل مظاهر اللفظ العاميّ التي ذكرتها فهناك ما يدعو إلى التفاؤل, فقد لاحظتُ أنّ كثيرا من المتحدثين يحاولون التخلي عن السمات اللفظية للهجاتهم, فكثير من إخوتنا المصريين, على سبيل المثال, ينطقون الجيم جيما (مع أنّ /g/ هي أصل الجيم وليس العكس كما يظن الكثيرون(7 ) ) . وكثير من أبناء اللهجات التي تخلو من الثاء والذال والظاء أخذوا ينطقون الثاء ثاء, والذال ذالا, والظاء ظاء. بل إنّ منهم من بالغ في التصحيح فوقع في الخطأ, كقول أحدهم:"رائحته ذكيّة", وقول آخر:"الغثّ والثمين", وقول ثالث:"هذا وضع مُخْذٍ". وكان أحد المذيعين ينجح في معظم الأحيان في لفظ الثاء وأختيها, فإذا واجهته كلمة فيها ثاءان, كثلاثة وثالث, وجد صعوبة في نطق الثاء الثانية, فقال: ثلاسة وثالس !

وعندما أطالب بالتخلّي عن بعض سمات اللهجات العامية, فإنّني أفعل ذلك حرصا على وحدة اللغة التي هي أهم أركان وحدة الأمة, وليس لأنني أتفق مع آراء من يتّهم اللهجات العامية ظلما بأنها لا ضابط لها ولا قواعد. ويبدو أن مفهوم القواعد عند من يقولون إن اللهجات العامية لا قواعد لها مفهوم ضيق يقتصر على حركات الإعراب, فللهجات العامية - ككلّ اللغات واللهجات في العالم - قواعد صوتية وقواعد لتركيب الكلمة وقواعد لتركيب الجملة. والجدير بالذكر أن كثيرا من هذه القواعد على المستويات الثلاثة لا يختلف عن قواعد الفصحى (8) . وقبل قليل دعوت إلى التخلي عن قاعدة من قواعد العامية الصوتية حين طالبت بالتمسّك باللام القمرية مع الجيم, رغم أن القاعدة العامة في لفظ لام التعريف هي ما نسمعه في اللهجات العامية, فالجيم - كالشين - صوت أدنى حنكي (غاريّ) , أي من الأصوات"الشمسية" (9) .

الظاهرة الثانية هي ظاهرة التسكين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت