الصفحة 23 من 26

العربية والفارسية والتركية [1] . وكان الشيخ محمد جمال الدين تشاوشيفيتش رئيس العلماء الرابع (1913 - 1930) في البوسنة والهرسك [2] بعد مؤتمر برلين (1878) ، آخر رئيس للعلماء من الذين درسوا في اسطنبول وكان يتقن اللغة التركية جيدا [3] . وكان قادرا على القيام بأكبر قدر من الإصلاح الإسلامي [4] أو التحول من"منطقة نفوذ إلى المنطقة الأوروبية للإصلاح المتسارع" [5] . ومع مرور الوقت، وخاصة بعد إلغاء مكتب الخلافة في اسطنبول سنة (1924) انقطعت جميع الاتصالات الاعتيادية والطبيعية بين سراييفو واسطنبول. وصار لزاما على مسلمي البوسنة أن يبحثوا عن بديل للمحافظة على الاستمرارية الروحية والتعليمية. كان عليهم أن يقوموا بعملية"التفاف روحي"فتوجهوا نحو جامعة الأزهر الشريف [6] في القاهرة ساعين إلى تحصيل العلوم الإسلامية هناك. ولقد أدى هذا الانتقال من اسطنبول إلى القاهرة إلى استعراب العلماء البوسنيين بمعنى أنهم فقدوا صلتهم المباشرة مع اللغة التركية، وقد نتج عن ذلك أن أصبح تاريخ تأهيل الأئمة والخطباء البوسنيين في القرن الماضي مرتبطا بالتاريخ التعليمي العربي الإسلامي، ليس فقط على صعيد اللغة، بل أيضا على صعيد الفلسفة والثقافة.

كانت السلطات النمساوية - المجرية، تسعى لاجتذاب ولاء مسلمي البوسنة، فكانت من جهة أولى تبدي اهتماما باحتياجاتهم التعليمية، ومن الجهة الثانية كانت تمنع الطلبة من الذهاب إلى اسطنبول للحصول على التعليم الإسلامي العالي، ولذلك فتحت تلك السلطات عملية أسمتها"تحرير المثقفين المسلمين من أي تأثير خارجي". وهكذا صدر في عام 1881 مرسوم بتأسيس أول"مكتب نواب"في سراييفو (المدرسة العليا للشريعة الإسلامية) وكان الهدف منها تأهيل القضاة الشرعيين. ويجدر بالذكر أن سلطات الإمبراطورية النمساوية الهنغارية أعطت المسلمين البوسنيين الاستقلالية الدينية مما أدى إلى استمرار وجود المحاكم الشرعية في البوسنة والهرسك حتى عام 1946، عندما ألغت الحكومة الشيوعية اليوغوسلافية جميع المؤسسات التي كانت تمارس أي شكل من أشكال النشاطات الدينية. ولقد حصلت فكرة تأسيس أول مكتب نواب في سراييفو على دعم القيادة المسلمة في ذلك الوقت، بحيث خصصت الأوقاف الإسلامية قطعة الأرض التي أقيم عليها مبنى مكتب النواب. وقد قام بالتصميم المعماري لمبنى مكتب النواب المهندس المعماري التشيكي كارلو بارجيك، وتم الانتهاء من تشييده سنة 1887، مما

(1) للتوسع في إسهامات العلماء البوسنيين في الحياة الروحيه والثقافيه للعثمانيين، انظر: حازم شعبانوفيتش،"أدب مسلمي البوسنة والهرسك باللغات الشرقية"، سفييتلوست، سراييفو، 1973؛ محمد جدرالوفيتش،"ناسخو المؤلفات في المخطوطات العربية"مجلدان. سفييتلوست، سراييفو، 1988؛ عبد الرحمن ناميتاك،"مختارات من أدب الحميادو البوسني"، سفييتلوست، سراييفو 1981.

(2) يعتبر منصب رئيس العلماء والمفتي في البوسنة والهرسك مؤسسة فريدة للسلطة الإسلامية، وقد تم استحداثه في فترة ما بعد العهد العثماني نتيجة لمؤتمر برلين (1878) عندما وضعت البوسنة والهرسك تحت إدارة أمبراطورية النمسا وهنغاريا وضمّت إليها. رئيس العلماء الحالي في البوسنة هو الثاني عشر في الترتيب.

(3) جدير بالذكر أن رئيس العلماء الخامس الحافظ إبراهيم ماغلايليتش (1930 - 1936) قد درس في اسطنبول ولكن تأثير اسطنبول على التعليم الإسلامي في البوسنة كان قد تناقص.

(4) من بين الأمور الأخرى التي قام بها رئيس العلماء جمال الدين تشاوشيفيتش أنه استبدل الأبجدية اللاتينية بالأبجدية العربية وأمر أن تقرأ خطبة الجمعة باللغة البوسنية بعد أن كانت تقرأ باللغة التركية القديمة وبالعربية.

(5) انظر فكرت كارتشيتش،"ماذا نقصد بالتقاليد الإسلامية عند البوشناق؟"، في"قرار المشيخة الإسلامية حول تفسير الإسلام"، دار القلم، سراييفو، 2006.

(6) للمزيد عن الأزهر انظر: Bayard Dodge،"الأزهر ألف سنة من التعليم"طبعة تذكارية، معهد الشرق الأوسط، واشنطن، 1974؛ Jonathan Berkey،"نقل المعرفة في القاهرة في القرون الوسطى - التاريخ الاجتماعي للتعليم الإسلامي"، نشرة جامعة برينستون، برينستون 1992.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت