قدم على المبين وهو ما ترجى لهم بركته الآتي الواقع فاعلا، والفهم ارتسام صورة ما في الخارج في الذهن، والمراد معرفة الأحكام، والجاهل الغافل يشارك الصبي في ذلك، والمراد بدين الله دين الإسلام، ويحتمل أن يريد به معرفة أصول الديانات بأن يعرف الله تعالى بصفاته، لأن من وصفه بغير ما وصف به نفسه إن كان عن قصد فكفر، وإن كان عن تأويل فابتداع، وإن كان عن جهل فلا يعذر به، وإنما قال من فهم ولم يقل من علم لأن العلم يستدعي معرفة حقيقة المعلوم، وذلك لا يتصور إلا بعد الاتصاف بكمال العقل، والصغير ليس كذلك وإنما حظه من الإدراك الفهم وهو انتفاء الوهم المستولي على العقل الذي لا يفارقه جهل الصبي إلا بنور العلم، ولأجل أن يسبق إلى قلوبهم من فهم.
"وشرائعه"جمع شريعة وهي الطريقة، والشارع مبين الأحكام، والشارع لغة البيان واصطلاحا تجويز الشيء أو تحريمه أي جعله جائزا أو حراما، وهذا قريب من قول بعضهم: الشرع وضع إلهي، كما تعرف العباد منه أحكام عقائدهم وأفعالهم وأقوالهم يترتب عليه صلاحهم في دار المعاش والمعاد، ومعنى وضع موضوع وضعه الإله، والمشروع ما أظهره الشرع، فالمراد بالشرائع فروع الشريعة من الصلاة والصوم وغير ذلك، فيطلب من الولي تعليم الصغار، ومن الزوج تعليم زوجته، ومن السيد تعليم رقيقه.
قال العوفي وغيره: لأن العلم بأمور الدين فرض عين على المكلف في العينيات وكفاية في غيرها، لا يسع المكلف جهله، وعليه الإثم في كل زمان يمر عليه يمكنه فيه تحصيله فيضيعه بترك التعلم لما قدمنا من أنه لا يجوز لمكلف الإقدام على حكم قبل معرفة حكم الله فيه ولم تحك الأئمة في ذلك خلافا، والحكم عام في العبادات والمعاملات التي لا بد له من التلبس بها، ويؤخذ من تقديم المصنف دين الله على شرائعه وجوب تعلم ما يتعلق بذات الباري وصفاته من واجب وجائز ومستحيل ابتداء، لأن فهم دين الله شرط في صحة كل عبادة1.
ـــــــ
1 الشرط بسكون الراء لغة: إلزام الشيء والتزامه ويجمع على شروط وبمعنى الشرط الشريطة وجمعها الشرائط والشرط بفتح الراء معناه العلامة ويجمع على اشراط ومنه أشراط الساعة أي علاماتها.
وهو في الاصطلاح: ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته.وعرفه البيضاوي في المنهاج بأنه: ما يتوقف عليه تأثير المؤثر لا وجوده ومثل له بالإحصان فإن تأثير الزنا في الرجم متوقف عليه كما ذكر الأسنوي وأما نفس الزنا فلا لأن البكر قد تزني.
والفرق بينه وبين الشرط: هو أن الشرط يكون خارجا عن الماهية والركن يكون داخلا فيهما فهما متباينان أنظر الموسوعة الفقهية 5/26.