حكما فإنه يكون مساويا لهم في ذلك الحكم إلا أن يقوم الدليل على التخصيص لهم، وبهذا عرفت أنه لا إشكال في قول المصنف وأعذر إليه أي إلى الإنسان الموهم خروجه صلى الله عليه وسلم من أفراده، لأن شأن الرسول مغايرته للمرسل إليه إلا في مثل هذا الموضع، فإن الرسول داخل في المرسل إليهم وإن اختلف حال المرسلين، لأن منهم من أرسل إلى جميع الناس كنبينا عليه الصلاة والسلام، ومن عداه إنما أرسل إلى البعض.
واستعمل جمع القلة موضع جمع الكثرة مجازا لأن عدتهم كثيرة تزيد على ثلثمائة أو أربعة عشر، والأولى عدم الاقتصار على عدد فيهم كالأنبياء أولهم لهم آدم عليه الصلاة والسلام وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم ومن في خلقه لبيان الجنس، فيفيد تفضيل رسل البشر على الملائكة وهو المختار عند الأكثر، وأفضل الرسل محمد صلى الله عليه وسلم بإجماع المسلمين ولقوله صلى الله عليه وسلم:"أنا سيد ولد آدم ولا فخر"1
ويليه عليه الصلاة والسلام في الفضل أولوا العزم أي الصبر على المشاق كإبراهيم ونوح وموسى وعيسى وإسماعيل، لصبر إبراهيم على النار، ونوح على أذى قومه، وإسماعيل على الذبح لأنه الذبيح على مذهب أهل السنة لا إسحاق، وعدتهم عشرة وقيل خمسة، ولشدة صبرهم وعظمتهم عند ربهم إنما كان يوحى إليه في النوم واليقظة بخلاف غيرهم إنما كان يوحى إليه في النوم دون اليقظة، ويلي الأنبياء مطلقا في الفضل الملائكة. قال صاحب الجوهرة:
وأفضل الخلق على الإطلاق ... نبينا فمل عن الشقاق
والأنبياء يلونه في الفضل ... وبعدهم ملائكة ذي الفضل
وهذه طريقة الأشاعرة وفيها تفضيل عوام الملائكة وهم غير الرسل على عوام البشر كالعلماء والأولياء نحو أبي بكر وعمر وغيرهما من أهل الفضل ومقابلها طريقة الماتريدية، واعتمد بعضهم تفضيل خواص البشر وهم الرسل على سائر الملائكة، وتفضيل خواص الملائكة وهم رسلهم كجبريل وميكائيل على عوام البشر كأبي بكر، وعوام البشر على عوام الملائكة.
وفي منهج الأصوليين للسراج البلقيني عند الحنفية المختار أن الخواص من الملائكة أفضل من الأنبياء غير الرسل، والأنبياء غير الرسل أفضل من الملائكة غير الرسل، والتفضيل حيث قيل به يكون باعتبار كثرة الثواب والعمل، ومما يدل على مزية المصطفى أيضا أنه لم يكن لأحد
ـــــــ
1 صحيح: أخرجه مسلم كتاب الفضائل باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم حديث 2278, وأبو داود حديث 4673, والترمذي حديث 3148, وابن ماجة حديث 4308, وأحمد 1/281, حديث 2546 وقد تقدم برقم 4.