فحينما كان الملك يتولى وحده السلطتين معا، وكانت الحرب لا تقوم - في حقيقة أمرها- إلا من أجل المليك المفدى، لم يكن مهما إلا إعداد النبلاء المقربين وأتباعهم المحاربين الذين كان حشدهم يتم على أسس شخصية. وعوامل محلية قلما تجاوزتها أهداف الحرب نفسها.
وأما حين انفصلت السلطتان، وبدأت الأماني الشعبية تفرض نفسها على أهداف الحرب، فلم يعد من الممكن خوض الحروب إلا بعد إعداد الشعب لها إعدادا يؤهله لأن يكون أمينا على ظهر الطلائع العسكرية المحاربة في الميدان لتكون هذه الطلائع بدورها أمينة على أمانيه الشعبية المستهدفة من الحرب. ولهذا صار من الواجب إعداد الجبهة الداخلية وهو الأمر الذي يتحقق بثلاثة أمور هي:
1 -بلورة الأماني الشعبية.
2 -إعداد الغرف اللازمة لإدارة العمليات المدنية.
3 -تكوين فصائل المقاومة الشعبية والدفاع المدني.
ونشير فيما يلي إلى معنى كل أمر من هذه الأمور.
أولا: بلورة الأماني الشعبية
ويقصد بذلك، تحديد هذه الأماني، وتبويبها تبويبا زمنيا يتناسب والإمكانيات القائمة والمنتظرة ثم ضبط انفراج هذه الأماني ليتوازى انفراجها مع الإمكانيات المتاحة بالفعل وذلك تجنبا لإضاعة الممكن في طلب المستحيل.
فالملاحظ دوما أن الأماني الشعبية تتجاوز في حدودها العليا القدرات الواقعية للخطة التي تستلهم فيها الأماني الشعبية، ولا غرو فالأماني الشعبية تتغذى من العوامل العاطفية أكثر مما تتغذى من العوامل الواقعية، ولا ضير، فهذا أساس الأمل واستمراره لدى الشعوب. إلا أن الضير كل الضير أن نخلط بين الواقع والمأمول إذ يؤدي بنا ذلك لا إلى أن نفقد واقعنا فقط بل وإلى أن نفقد آمالنا كذلك. ولهذا يعمد القادة الملهمون إلى المكافأة بين الأماني الشعبية والقدرات الواقعية لدولتهم تجنبا للخلط بين الواقع والمأمول، أو الحقيقة وأشباه الخيال.
ثانيا: إعداد غرف العمليات المدنية