المبحث الثالث. التحلل من المال الحرام وطرقه وفيه ثلاثة مطالب
المطلب الأول: حكم التحلل من المال الحرام
سبق أن ذكرنا أن المال الحرام لا يدخل في ملك من هو تحت يده، ولو تصرف به كان تصرفه في غير ملكه، لأنه يحرم عليه الانتفاع به بأي وجه من الوجوه، فلا يجوز أداؤه في صدقة واجبة، أو كفارة، أو نذر، ولو فعل لم يجزئه في إسقاط ما وجب عليه، ولا كذلك في وفاء دين. ولكن يجب عليه أن يتحلل منه ويتخلص من إثمه برده إلى مالكه إن علمه، أو بالتصدق به إن جهله، وأن يتوب إلى الله عز وجل من فعله.
وهذا التحلل برده أو التصدق به واجب باتفاق الفقهاء تخلصًا من الإثم وتبرئة للذمة في الدنيا والآخرة، وهذه بعض أقوال العلماء:
1 -نص الحنفية: على أنه لو مات رجل وكسبه من الحرام، ينبغي للورثة أن يتعرفوا، فإن عرفوا أربابها ردوها عليهم، وإن لم يعرفوا تصدقوا به [1] .
2 -نص المالكية: على أن رد المظالم على أهلها واجب مستقل ليس شرطًا في صحة التوبة [2] .
3 -نص الشافعية: على أن من كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه، فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتًا وجب دفعه إلى ورثته، وإن كان لمالك لا يعرفه فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة، وإلا فيتصدق له على الفقراء [3] .
4 -نص الحنابلة: على أن من قبض ما ليس له قبضه شرعًا ثم أراد التخلص منه، أن يرده على صاحبه، فإن تعذر رده عليه قضى به دينًا يعلمه عليه، فإن تعذر ذلك رده على ورثته، فإن تعذر ذلك تصدق به عنه [4] .
(1) الفتاوى الهندية 3/ 210، وينظر أيضًا رد المختار 5/ 99.
(2) الشرح الصغير بحاشية بلغة المسالك 4/ 417، وينظر أيضًا الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/ 237.
(3) المجموع للنووي 9/ 351، وينظر أيضًا الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 3/ 237.
(4) زاد المعاد في هدي خير العباد لابن قيم الجوزية 5/ 778 وما بعدها، وينظر أيضا الآداب الشرعية لابن مفلح 1/ 468 وما بعدها.