الصفحة 12 من 48

-وحديثًا: بيع المرابحة المعمول به في بعض المؤسسات المالية، حيث أجازه بعض الفقهاء المعاصرين ومنعه بعضهم، والتأمين التجاري (السوكرة) الذي أجازه بعض المعاصرين ومنعه الأكثرون [1] .

وإنما يعود سبب الخلاف إلى عدم قطعية النصوص في الدلالة أو الثبوت، أو إلى اختلاف أنظار الفقهاء ومناهجهم في الاستدلال، أو إلى احتمالات اللغة، أو غير ذلك [2] .

وبناء على ذلك هل يكون المال المكتسب بواحد من هذه العقود المختلف فيها حلالا هنيئًا مريئًا للمتعاقدين باعتبار رأي المبيحين، أم حرامًا يجب التحلل منه اعتبارا برأيها المانعين؟

الواقع أن المسلم الذي يتعامل بمثل هذه العقود أحد أشخاص ثلاثة:

الأول: عالم عرف الأدلة واللغة ومسالك الاجتهاد، فيعمل باجتهاده، فلو كان يرى جواز العقد كان الكسب المترتب عليه حلالا طيبًا لا شيء فيه، حتى وإن تغير اجتهاده بعد فترة فإنه يعمل باجتهاده الأخير، ولا يجب عليه التحلل من الكسب السابق، فإن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد [3] ، لأن الثاني ليس بأولى من الأول حيث إن كل واحد قد استوفى شروطه في وقته، ولهذا قال سيدنا عمر رضي الله عنه في المسألة المشتركة عندما تغير اجتهاده فيها:"تلك على ما قضينا يومئذ وهذه على ما قضينا اليوم" [4] .

الثاني: أن يكون مقلدًا -كأغلب طلبة العلم- فهو على مذهب من يقلده، فإن كان العقد صحيحًا في ذلك المذهب فما يكسبه به حلال طيب لا شيء فيه، لأن صاحب المذهب لم يبنِ مذهبه إلا على تأويل صحيح باعتقاده.

الثالث: أن يكون عاميًا يتبع في كل مسألة رأي من يسأله. فهذا عليه أن يتحرى أهل العلم والتقوى ويسألهم، فإن أفتوه بالجواز وصحة العقد كان الكسب حلالا طيبا، وإن

(1) ينظر: حاشية ابن عابدين 4/ 170 وما بعدها، الحلال والحرام للقرضاوي ص238 وما بعدها، قضايا فقهية معاصرة لمحمد تقي العثمان ص220.

(2) الإنصاف في أسباب الاختلاف لولي الله الدهلوي ص34 وما بعدها، أسباب اختلاف الفقهاء علي الخفيف ص101و 142.

(3) المنثور في القواعد للزركشي 1/ 93، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص129.

(4) رواه البيهقي 6/ 255، والدارقطني 4/ 88، وعبد الرزاق في المصنف 10/ 249 برقم (19005) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت