أما حين لا يكون عون الله, وإنما يوكل العبد إلى نفسه, فإنه يوكل إلى ضعف وعجز وخور ومهانة.
لا تكلني ياذا الجلال إلى نفسي *** يومًا فالعجز مركز نفسي
إن تكلني ياذا الجلالِ تعاليت *** إلى من سواك جنٍّ وإنس
فإلى عَوْزَةٍ وعجز تكلني *** وإلى ضيعة تكلني وتعسي
حين لا يعان العبد فإنه يقعد به العجز والكسل عن الكمالات, وتتطامن نفسه إلى الدون, ولا يكون منه شيء نافع, بل تذهب أيامه ولياليه دون شيء يذكر, قال شيخ الإسلام: وكل عملٍ لا يعين الله العبد عليه فإنه لا يكون ولا يقع, فما لا يكون به لا يكون, وما لا يكون له لا يدوم ولا ينفع, فلذلك أمر العبد أن يقول (إياك تعبد وإياك نستعين) في كل صلاة.
نحتاج العون من الله على الذكر وإلا أصاب الألسن خرس عما ينفع, نحتاج العون من الله على الشكر وإلا بطرت النعم ثم محقت, نحتاج العون من الله على حسن العبادة وإلا تحولت عبادتنا إلى صورة لا معنى لها وإلى مظهر بلا مخبر, فصارت وبالًا على العبد لا له.
إن العبد حين لا يعان على الذكر تُغَلِّفه الغفلة, فيترك القرآن أيامًا لا يتلوه, وربما أتى إلى المسجد مبكرًا - لحاجة - فعجزت يده أن تمتد للمصحف الذي لا يبعد عنه غير متر واحد, ويعجز لسانه أو يغفل عن تسبيحٍ هو من أخف الأعمال وأيسرها على اللسان وأثقلها في الميزان, في حين لا يعجز عن ترديد الأغاني, ولا ينقطع صوته عن الحديث في المجالس بما لا فائدة منه!.
وحين لا يعان العبد على الشكر فإنه لا يرى النعم, ولا يحس بقيمتها, فلذلك يبطرها, فلا عين تُحْفظ عن حرام, ولا لسان يحفظ عن رديء الكلام, ولا رجل تمشي إلى صلاة, ولا يدٌ تمتد بالصدقة والذكر أو ترفع للدعاء ..