إبراهيم بن صالح الدحيم
أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيد معاذ بن جبل رضي الله عنه, وبعبارة مشفق وحديث محب, قال له صلى الله عليه وسلم: يا معاذ, والله إني لأحبك, فلا تدعنَّ دبر كل صلاة أن تقول: (اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) .
لقد كانت وصية عظيمة تتابع السلف عليها أخذًا ووصية لمن خلف لأهميتها, إذ أوصى بها معاذ الصنابحي, وأوصى الصنابحي أبا عبد الرحمن, وأوصى أبو عبد الرحمن عقبة, وأوصى عقبة حيوة, وأوصى حيوة أبا عبد الرحمن المقرئ, وأوصى أبو عبد الرحمن المقرئ بشر بن موسى, وأوصى بشر بن موسى محمد بن أحمد بن حسن, قال أبو نعيم: وأوصاني به محمد بن الحسن, وأنا أوصيكم به.
وصية جامعة, كأنما يريد النبي صلى الله عليه وسلم من خلالها أن يوجه المسلم إلى مسيس حاجته للعون الإلهي والمدد الرباني للقيام بالعبادات وأداء الطاعات, حتى لا يَقْصُرَ قاصرٌ طلب العون من الله على أشغال الدنيا وأعباءها ..
إن هذا التعليم النبوي كما أنه يشي بحاجة العبادة والطاعة إلى العون والمدد الإلهي, فهو يحمل في ثناياه الإعلان عن العجز والضعف البشري أمام القيام بشيء من حق الله تعالى. إن العبد مهما بلغ من قوة, ومهما اجتمع له من نشاط فهو عاجز عن مواصلة الطريق إلى الله إلا بالعون الذي يتنزل عليه من ربه, فلا يغتر بجهده ولا يدلي بعمله. قال ابن القيم رحمه الله: كثيرًا ما كنت اسمع شيخ الإسلام يقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) تدفع الرياء (وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) تدفع الكبرياء.
إن أعظم الكرامة أن يأتيك مدد ربك, الذي يدفعك لمزيد القرب منه, فتدخل في عبادته - ليس نشيطًا فحسب - بل مشتاقًا لها تجد أنسك فيها, كما كان نبيك صلى الله عليه وسلم يقول عن الصلاة: أرحنا بها يابلال .. قال شيخ الإسلام رحمه الله: (فلم يكرم الله عبدًا بمثل أن يعينه على ما يحبه ويرضاه, ويزيده مما يقربه إليه ويرفع به درجته) .