الصفحة 25 من 35

صوب الشمال فيجعل اللحاق بهم، و إعادتهم أمرا ميسورا؛ فالطريق معتاد لمن قام برحلة الحج منهم، و كثير من القادرين و أتباعهم قد قاموا بتلك الرحلة من قبل، أما الاتجاه صوب الشرق فكان عليهم أن يواجهوا أشعة الشمس في أعينهم، في بداية الرحلة، و أن يفكروا في إمكانية اللحاق بهم ... و إعادتهم بالقوة، فكان أن هرولوا خلف المغامر صوب الغرب يتبعون ظلهم في بداية الرحلة؛ فالشمس في رحلتها اليومية تسوقهم قبل الظهر بأشعتها، و تحضهم للسعي قدما صوب الغرب لعلهم يجدون مكانا أفضل لا يذوقون فيه ظلما, و تقودهم بعد الظهر؛ ليقطعوا أكبر مسافة ممكنة قبل أن يدركهم الظلام، هكذا حتى يبلغون اللجة التي عرفت فيما بعد باسم مضيق باب المندب و قد كانت رؤية الشاطئ- الذي عرف فيما بعد باسم الشاطئ الأفريقي- أيسر، و عبور اللجة بشيء من الإصرار و الجهد ممكنا؛ فعرض مضيق باب المندب الذي لا يزيد اليوم عن ثلاثين كيلومترا، كان أقل من ذلك في الماضي حيث تتباعد المسافة بين شاطئي القارتين: أفريقية، و أسيا سنويا بمقدار سنتيمترين تقريبا مما تجعل رؤية الشاطئ المقابل ممكنة، و تجعل الأمل في عبوره- بشيء من الجهد- قابلا للتحقيق أملا في حياة أفضل، عشمهم بها ذلك المغامر الذي تبعوه, رغم إن بعضهم- أثناء المغامرة- قد رأوا زملاءَهم طعاما لأسماك القرش و حيتان البحر، إلا أن الاندفاع إلى الأمام بإصرار أشد كان هو الأمل الوحيد للنجاة؛ فالعقاب الذي يصل إلى حد القتل ينتظر من يقبض عليه من الفارين بأنفسهم من بطش من تسلطوا عليهم دون ما رحمة، و أسماك القرش و حيتان البحر تسارع بالتهام السابحين و الخائضين المتكاسلين، و الذين خارت قواهم و استسلموا للأمواج.

أما ما ذكر من أن"أول هجرة سامية انبعثت من شبه الجزيرة العربية إلى بلاد الهلال الخصيب اتجهت صوب العراق الأدنى, و أسست دولة بابل, و صوب العراق الأعلى, و أسست دولة آشور ... حوالي بدء الألف الثالثة ق. م .."¹

فيمكن فهمه على أساس أن أول هجرة سامية لها ما يدل على أثرها, و هذا لا يمنع وجود عشرات بل مئات الهجرات التي لم يكتشف المنقبون قرائن حدوثها حتى الآن, خاصة و قد كشف المنقبون- فيما بعد- موقع أبي هريرة في منطقة الفرات الأوسط، و غيره من المواقع و الدلائل الذي عرفنا منها:

نعود إلى النازحين و قد سبب نزوحهم عن المكان صدمة نفسية لدى من بقي بالمكان, فمنهم من فقد بنزوحهم الأب, أو الأخ, أو الابن, أو الخادم, أو الرقيق, و لأنهم نزحوا في ظروف غامضة, و لأن نزوحهم قد اقترن بهزة اقتصادية؛ كما أن أخبارهم قد انقطعت؛ ربما لانشغالهم بترويض بيئتهم الجديدة, أو بما في السهول ... و الغابات و أحواض الأنهار الأفريقية من موارد، و ربما لخوفهم العودة.

يبدو أن النازحين في ذلك الوقت البعيد عاشوا في المناطق التي نزحوا إليها معتمدين على الجمع، و الالتقاط سنوات عديدة لم يحتاجوا خلالها لاتخاذ مساكن دائمة؛ فتفرقوا في أكثر من اتجاه, و عاشت كل جماعة بمعزل عن غيرها؛ لعدم إحساسهم بالأمان, فالغريب أما أن يزاحمهم, أو يخبر عنهم من هربوا منهم, أو

ــــــــــــــــ

? - (محمد السيد غلاب, يسري الجوهري: الجغرافيا التاريخية ص 382)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت