الصفحة 24 من 35

قد رأى بعض أبناء آدم بمرور الأعوام أن البيت يحتاج صيانة نتيجة تأثير العوامل الجوية طيلة العام, فكان

يسبق أباه و أخوته؛ ليجهز المكان؛ لاستقبالهم, و أنه قد ظهرت عليه من مظاهر نعمة الله ما جعل بعض أخوته يقلدونه, ثم يدفعهم التسابق للخير أن يفضل بعضهم البقاء, و العكوف في جوار بيت الله الحرام, فيقررون البقاء, يخدمون البيت, و ينظفونه من الأتربة، و يطوفون حوله تقربا لله، بينما يقوم أتباعهم، ... و العاملون لديهم برعاية مصالحهم في محلهم الأول، و يبعثون لهم بغلة أرضهم؛ ليقتاتوا منها طيلة العام، ... و ليضيفوا إخوانهم عندما يحضرون؛ لأداء المناسك، و زيارة بيت الله.

و بذلك نشأ مجتمع عمراني حول بيت الله الحرام؛ تخصص أفراده - بمرور السنين خاصة بعد موت آدم- في رعاية الحجيج, و خدمتهم، و إرشادهم؛ لتأدية مناسك الحج على الوجه الذي يرضي الله, هذا المجتمع احتفظ باللغة الأولى التي تعلموها من أبيهم آدم, هذه اللغة هي اللغة السامية, نسبة إلى أنها وحي من الله سبحانه إلى سيدنا آدم علمه بها الأسماء كلها, و بها تلقى أوامر الله افعل و لا تفعل, و بها بلغ زوجه، ... و أولاده، و أحفاده، و ذريته رسالة الله, و بها تفاهم بنو آدم, و بها عبدوا الله, و انتظموا في حياتهم, كجنس مكرم على كثير من خلق الله, و ظل الذين عاشوا حول البيت الحرام يحافظون على هذه اللغة, و لم يثبت في التاريخ أنهم غيروا لغتهم.

و قد أحتفظ أفراد المجتمع الذين عاشوا في منطقة الحرم حول بيت الله الحرام بالطهر, و النقاء؛ لأنهم سدنة البيت الذين يعلمون الحجيج كيف يؤدون المناسك, و يزودونهم بما ينفعهم من إرشادات, و نصائح, و لم يكتبوا لغتهم السامية التي لم يتخففوا من أي من خصائصها؛ بل حفظوها في قلوبهم, و عقولهم, و توارثوها عن آبائهم و أجدادهم، و لم يدونوا بها؛ فالتعاليم و الشعائر منقوشة في الصدور، و الاتفاقات التجارية ... و المعاهدات ملزمة لهم- بعهد الله- و لمن عاهدهم؛ فهم جيران بيت الله الذين لا يكذبون، و لا يخونون، ... و هم الذين يوفون بالعهد و يؤدون الأمانات، و يحفظون الجوار مهما كلفهم ذلك، و عرف الناطقون باللغة السامية قدرها فحفظوها, و عرف الناس لهم قدرهم, فلم يعرضوا لهم بما يكرهون.

لو أن الإنسان الأول بدأ من المنطقة التي عرفت فيما بعد باسم اليمن؛ فكم يحتاج من الوقت حتى يحس بعض أفراد المجموعة البشرية بحاجتهم للهجرة بحثا عن مكان أفضل؟

لا شك أن آدم عليه السلام- بحسب قوانين الزيادة الطبيعية للسكان- قد رأى مليونا و خمس المليون من ذريته قبل أن ينتقل إلى رحاب الله؛ خاصة أنهم كانوا يعيشون في رحاب الطبيعة في كوكب بكر لم يعرف الأسمدة الكيماوية، و لا المبيدات الحشرية بعد، فإذا تكاثر هؤلاء البشر بعد آدم؛ فإن عددهم يمكن أن يتجاوز المليون الثالث مع منتصف الألف الثاني لخطوات الإنسان الأول على الأرض؛ الأمر الذي يجعل فكرة الهجرة الأولى فكرة مقبولة من كثير ممن صعب عليهم العيش في المجتمع، الذي لم يعد لهم فيه مكان, خاصة، و قد قست قلوب بعض القادرين, و قست بقسوتهم قلوب بعض المقربين لديهم من خدمهم, ... و أتباعهم, و لم يكن غريبا أن يندفع بضعة الآلاف ممن ضاقت بهم هذه المنطقة في انتفاضة غاضبة يتبعون مغامرا زين لهم أن يقودهم إلى مكان جديد في رحلة الهجرة، و كان عليهم أن يختاروا أحد اتجاهين، ذلك أن الاتجاه صوب الجنوب كان مستحيلا؛ فدونه بحر لا يرون شاطئه البعيد، و لا تحملهم وسائلهم البدائية على صفحة مائه، أما الاتجاه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت