وبعد مدة وجيزة ، حرجت المُغَسِّلة وطلبت مساعدتها في تغسيل الجنازة ، فقلت لها: إن هذا لا يجوز ، فلا يحل للرجل أن يطلع على عورة المرأة ، فَعلّلت ذلك بضخامة جسم الميتة وصعوبة تغسيلها ! .. لكنها عادت وأتمت تغسيلها ثم كفنتها ، وأذنت لنا في الدخول لحملها .. دخلنا ، وكنا أحد عشر رجلًا ، وكان الحمل ثقيلًا جدًا ، ولما وصلنا إلى فتحة القبر - وكعادة أهل مصر فإن قبورهم مثل الغرف ، ينزلون من الفتحة العلوية إلى قاعة الغرفة يسلّم ثم يضعون موتاهم بلا دفن (!) (1) فتحتا الباب العلوي ، وأنزلنا الجنازة من على أكتافنا لإدخالها ، لكنها - لثقلها - انزلقت وسقطت منا داخل الغرفة حتى سمعنا قعقعة عظامها وهي تتكسر من جرّاء السقوط ...
قال: فنظرت ، فإذا الكفن قد انفتح قليلًا وظهر شيء من الجسم ، فنزلت مسرعًا إلى الجثة وغطيتها ، ثم سحبتها بصعوبة بالغة إلى اتجاه القبلة ، وكشفت عن بعض وجهها (2) فرأيت منظرًا مفزعًا ، عينين جاحظتين مخيفتين ، ووجهًا مسودًا ، فداخلني رعب عظيم ، وكدت أصعق من هول ما رأيت ، فخرجت مسرعًا وأغلقت باب القبر .. وفور وصولي إلى البيت ، اتصلت بي إحدى بنات المتوفاة ، واستحلفتني بالله أن أخبرها بما جرى لوالدتها ... حاولت إخفاء الحقيقة لكنها ألحّت ، فأخبرتها بالذي رأيت ... فقالت: إن هذا هو الذي دعانا إلى الخروج من مكان التغسيل بتلك السرعة .. وأجهشت بالبكاء .. فصبّرتها ... ثم سألتها عن حال والدتها ، وهل كانت قبل موتها مقيمة على شيء من المعاصي ؟ فأجابت والحسرة تكاد تقتلها: يا شيخ ، إن والدتنا ثم تصلّ لله ركعة ، وقد ماتت وهي متبرجة (3)
قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:"بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة"أخرجه مسلم .
(1) المشروع أن يدفن الميت ويوارى جثمانه في صدع من الأرض كما وردت بذلك السنة .
(2) لا يشرع كشف وجه الميت عند دفنه .
(3) مجلة المجتمع ، عدد 1095 .