••حديث فاطمة بنت قيس: (إنّ أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته) فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم الأمر إليها، فقالت: (قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم النساء أن ليس للآباء من الأمر شيء) [1] .
لكن الاستدلال بهذا الحديث غير صحيح، لأنّ ابن عمّ البنت عادة كفء لها، وبالتالي فإنّ كلام فاطمة لا ينسجم مع شروط الكفاءة عند من يقول بها. ومن الواضح أنّ الأب هنا زوّج ابنته بدون رضاها، فيمكن أن يكون جَعْلُ الأمر إليها لأنّ موافقة المخطوبة شرط في صحّة الزواج أو لزومه، وليس لعدم وجود الكفاءة. يؤيد هذا أنّ علماء الحديث يذكرون هذه القصّة وأمثالها في باب الإجبار والاستئمار وضرورة موافقة المخطوبة على الزواج من خاطبها.
•• (إنّ الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم، فأنا خيار من خيار من خيار) [2] . وقد اعتمد بعض الفقهاء على هذا الحديث لاعتبار أنّ غير الهاشمي والمطّلبي ليس كفؤًا لباقي قريش. وواضح أنّ النصّ لا يساعد على ذلك, لأنّه أصلًا يتعلّق برسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم, وهو يؤكّد أنه خيار من خيار من خيار، فكيف يعتبر الخيار الثالث غير مكافئ للثاني والثاني غير مكافئ للأول، وليس في النصّ ما يشير إلى ذلك، بل الحديث يصف الجميع بأنهم خيار.
••حديث فاطمة بنت قيس أنّ معاوية وأبا جهم خطباها، فاستشارت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم فقال: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه على عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد) فنكحته [3] . وكلّ ما فيه أنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلّم لم ينصحها بالزواج من معاوية لأنه فقير لا مال له، وهي قبلت منه هذه النصيحة. وهذا يؤكّد اعتبار قدرة الخاطب المالية عند الموافقة على الزواج منه، لكن ليس فيه ما يدلّ على اشتراط ذلك لصحّة الزواج أو لعدمه. والحديث نصّ واضح في عدم الاعتداد بالنسب. ففاطمة
(1) - رواه ابن ماجه وأحمد والنسائي من حديث ابن بريدة، وإسناد رجاله رجال الصحيح كما قال الشوكاني في نيل الأوطار (6/ 145)
(2) - رواه مسلم.
(3) - رواه مسلم.