الفتح العربى و تأثيره في فارس:
هذه هى الحدود التى تبديها لنا النظرة العاجلة إلى تاريخ الآداب الفارسية، و لكن الطالب المشتغل بهذه الآداب، مهما أقنع نفسه بهذه الخلاصة التى ذكرناها لأحوال الأدب الفارسى قبل الفتح العربى، لا يستطيع أن يمر سراعا على آثار هذه الحادثة الهامة ذات الأثر الخالد في الأدب الفارسى. و من أجل ذلك فسأسمح لنفسى بأن أعيد هنا قولا للمستشرق «نولدكه» ذكرته في الكتاب السابق، و هو قول كبير المعنى مؤداة «إن الحركة الهلينية لم تمس من الحياة الفارسية إلا السطح و القشور، بينما استطاع الدين العربى و الحياة العربية أن ينفذا إلى قرارة الحياة الإيرانية و لبابها ... »
اللغة العربية و مركزها الفريد:
و اللغة العربية تمتاز بأنها لغة دين عظيم. و نحن نختلف عن المسلمين في كوننا نعتبر الإنجيل إنجيلا سواء أقرأناه في اللغات الأصلية التى كتب بها أم في لغتنا الحالية.
أما المسلمون فيعتبرون «القرآن» كلمة اللّه و أنه تنزيل من رب العالمين. فإذا قرأنا مثلا «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» فإن اللّه وحده هو الذى يخاطبنا بهذا القول و لا يمكن أن يفسرها أحد بأن النبى هو الذى يحدثنا به؛ و لذلك جرى المسلمون على أن يقولوا:
«قال اللّه تعالى» إذا شاؤا الاستشهاد بآية من آيات القرآن، بينما يقولون: «قال النبى عليه الصلاة و السلام» إذا استشهدوا بحديث من أحاديث النبى. و بناء على ذلك قالوا إن القرآن لا يمكن ترجمته ترجمة صحيحة إلى لغة أخرى، لأن المترجم مضطر إلى أن يورد في ترجمته قدرا من التفسير يستعين به على إظهار معانيه و هذا القدر قد يفسد المعنى أو يمس الأصل. و لست أعلم إلا أن المستشرقين وحدهم هم الذين أقدموا على نشر ترجمات للقرآن لا يصحبها الأصل العربى، أما المسلمون فقد جروا على أن يكتبوا الترجمات «الفارسية» أو «التركية» أو «الأردية» بين سطور الأصل