الصفحة 121 من 773

اللغات الفارسية أو العربية أو التركية أو الإسلامية على العموم. ذلك لأن الثقافة التاريخية أو الأدبية التى يشترك فيها المتعلمون في البلاد الإسلامية، تختلف تمام الاختلاف عن مثيلتها لدى الأوروبيين و الأمم المسيحية. و قد نتج عن ذلك أن التلميح مثلا إلى آية قرآنية يكون ظاهر الدلالة و الوضوح للرجل المسلم المتعلم، بينما يتكلف القارى ء المسيحى جهدا كبيرا للتحقق من مصدره و الوصول إلى دلالته. و أنا أكتفى بمثل واحد لبيان هذه الصعوبة، ربما كانت قصته منتحلة و لكن دلالته كافية فيما نريد.

و خلاصة الخبر أن «الفردوسى» حينما غضب على السلطان «محمود الغزنوى» لعدم تقديره لملحمته الرائعة «الشاهنامه» كتب هجوية لاذعة «1» تركها لدى واحد من أصحابه و أخبره ألا يذيعها إلا بعد فترة من الزمن يتمكن فيها من الذهاب إلى طبرستان و الاحتماء بحاكمها «الاصهبذ شيرزاد «2» »، فلما ذاعت هذه الهجوية و قرأها السلطان محمود امتلأ غيظا و حنقا على قائلها و أرسل إلى أمير طبرستان يطلب إليه تسليم الفردوسى، و هدده بأنه سيزحف عليه بأفياله و يخرب بلاده و دياره، و يقتل شعبه و رجاله، إذا هو امتنع عن إجابته إلى مطلبه، فلما وصلت الرسالة إلى الأمير اكتفى بأن يكتب على ظهرها الحروف الثلاثة «ا. ل. م.» ثم بعث بها ثانية إلى السلطان محمود. و قد قيل أن السلطان لم يفهم في البداية قصده من كتابة هذه الأحرف، و لكن وزراءه و رجال حاشيته تبينوا على الفور مقصده، و علموا أنه يشير تلميحا إلى ما أصاب «ابرهه» عند ما اعتمد على أفياله و أراد أن يعتدى على «مكة» في نفس السنة التى ولد بها النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و هى السنة التى عرفت فيها بعد بسنة الفيل. و قد نزلت في «أصحاب الفيل» سورة قصيرة هى سورة الفيل و في مطلعها هذه الأحرف الثلاثة ا. ل. م كما يبدو من آياتها القرآنية الآتية:

«أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ، أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ» .

و قد كان التلميح إلى هذه الآيات القرآنية وافيا بالغرض حتى ليقال أن السلطان محمودا انثنى عن عزمه و رجع عن تهديده ... !!

(1) هذه الهجوية موجودة في مقدمة النسخ المطبوعة من الشاهنامه.

(2) بعض المصادر تسميه «شهريار بن شرزين» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت