اللغات الفارسية أو العربية أو التركية أو الإسلامية على العموم. ذلك لأن الثقافة التاريخية أو الأدبية التى يشترك فيها المتعلمون في البلاد الإسلامية، تختلف تمام الاختلاف عن مثيلتها لدى الأوروبيين و الأمم المسيحية. و قد نتج عن ذلك أن التلميح مثلا إلى آية قرآنية يكون ظاهر الدلالة و الوضوح للرجل المسلم المتعلم، بينما يتكلف القارى ء المسيحى جهدا كبيرا للتحقق من مصدره و الوصول إلى دلالته. و أنا أكتفى بمثل واحد لبيان هذه الصعوبة، ربما كانت قصته منتحلة و لكن دلالته كافية فيما نريد.
و خلاصة الخبر أن «الفردوسى» حينما غضب على السلطان «محمود الغزنوى» لعدم تقديره لملحمته الرائعة «الشاهنامه» كتب هجوية لاذعة «1» تركها لدى واحد من أصحابه و أخبره ألا يذيعها إلا بعد فترة من الزمن يتمكن فيها من الذهاب إلى طبرستان و الاحتماء بحاكمها «الاصهبذ شيرزاد «2» »، فلما ذاعت هذه الهجوية و قرأها السلطان محمود امتلأ غيظا و حنقا على قائلها و أرسل إلى أمير طبرستان يطلب إليه تسليم الفردوسى، و هدده بأنه سيزحف عليه بأفياله و يخرب بلاده و دياره، و يقتل شعبه و رجاله، إذا هو امتنع عن إجابته إلى مطلبه، فلما وصلت الرسالة إلى الأمير اكتفى بأن يكتب على ظهرها الحروف الثلاثة «ا. ل. م.» ثم بعث بها ثانية إلى السلطان محمود. و قد قيل أن السلطان لم يفهم في البداية قصده من كتابة هذه الأحرف، و لكن وزراءه و رجال حاشيته تبينوا على الفور مقصده، و علموا أنه يشير تلميحا إلى ما أصاب «ابرهه» عند ما اعتمد على أفياله و أراد أن يعتدى على «مكة» في نفس السنة التى ولد بها النبى (صلى اللّه عليه و سلم) و هى السنة التى عرفت فيها بعد بسنة الفيل. و قد نزلت في «أصحاب الفيل» سورة قصيرة هى سورة الفيل و في مطلعها هذه الأحرف الثلاثة ا. ل. م كما يبدو من آياتها القرآنية الآتية:
«أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ، أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ» .
و قد كان التلميح إلى هذه الآيات القرآنية وافيا بالغرض حتى ليقال أن السلطان محمودا انثنى عن عزمه و رجع عن تهديده ... !!
(1) هذه الهجوية موجودة في مقدمة النسخ المطبوعة من الشاهنامه.
(2) بعض المصادر تسميه «شهريار بن شرزين» .