-بتوفيقه ا ه «الفوائد» بتصرف.
وعن الغفلة عن النعم قال الإمام ابن قدامة المقدسي في «مختصر منهاج القاصدين» :
أما الغفلة عن النعم فلها أسباب:
أحدها: أن الناس لجهلهم لا يعدون ما يعم الخلق في جميع أحوالهم نعمة، فلذلك لا يشكرون على جملة مما ذكرناه من النعم، لأنها عامة للخلق، مبذولة لهم في جميع أحوالهم، فلا يرى واحد منهم اختصاصا به، فلا يعده نعمة، فلا تراهم يشكرون اللّه على روح الهواء، ولو أخذ بمخنقهم لحظة حتى انقطع الهواء عنهم ماتوا، ولو حبسوا في حمام أو بئر ماتوا غما، فإن ابتلى أحدهم بشي ء من ذلك ثم نجا، قدّر ذلك نعمة يشكر اللّه عليها، وهذا غاية الجهل، إذ صار شكرهم موقوفا على أن تسلب عنهم النعمة، ثم ترد إليهم في بعض الأحوال، فالنعم في جميع الأحوال أولى بالشكر، فلا ترى البصير يشكر صحة البصر إلا أن يعمى، فإذا أعيد بصره أحس بالنعمة وشكرها حينئذ وعدها نعمة، وهو مثل عبد السوء يضرب دائما، فإذا ترك ضربه ساعة، شكر وتقلد ذلك منة، وإن ترك ضربه أصلا، غلبه البطر وترك الشكر، فصار الناس لا يشكرون إلا على المآل الذي يتطرق الاختصاص إليه من حيث الكثرة والقلة وينسون جميع نعم اللّه تعالى عليهم.
كما روى أن بعضهم شكا فقره إلى بعض أرباب البصيرة، وأظهر شدة اغتمامه بذلك، فقال له: أ يسرك أنك أعمى ولك عشرة آلاف درهم؟ قال: لا، قال: أ يسرك أنك أخرس ولك عشرة آلاف درهم؟ قال: لا، قال: أ يسرك أنك أقطع اليدين والرجلين ولك عشرون ألفا؟ قال لا، قال: أ يسرك أنك مجنون ولك عشرة آلاف؟ قال: لا، قال: أ ما تستحى أن تشكو مولاك وله عندك عرض بخمسين ألفا.
وحكى عن بعض الفقراء أنه اشتد به الفقر حتى ضاق به ذرعا، فرأى في المنام كأن قائلا يقول له: أ تود أنا أنسيناك سورة الأنعام ولك ألف دينار؟ قال: لا. قال: فسورة هود؟ قال: لا، قال: فسورة يوسف؟ قال: لا، قال: فمعك قيمة مائة ألف دينار وأنت تشكو؟ فأصبح وقد سرى عنه.
ودخل ابن السماك على الرشيد في عظة، فبكى ثم دعا بماء في قدح فقال: يا أمير المؤمنين! لو منعت هذه البشرية إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفديها بها؟ قال: نعم، قال: فاشرب ريا، بارك اللّه فيك. فلما شرب، قال له: يا أمير المؤمنين: أ رأيت لو منعت إخراج هذه الشربة منك إلا بالدنيا وما فيها، أكنت تفتدي ذلك؟ قال: نعم.
قال: فما تصنع بشي ء شربة ماء خير منه! -