فهرس الكتاب

الصفحة 327 من 779

فإن كثف علمك عن هذا ولم يتسع له عقلك؛ فاذكر النعم وما عليها من الحقوق ووازن بين شكرها وكفرها «1» ، فحينئذ تعلم أنه لو عذب أهل السماوات

(1) وقال المصنف في كتاب «الفوائد» : من الآفات الخفية العامة أن يكون العبد في نعمة أنعم اللّه بها عليه واختارها له، فيملها ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم لجهله أنه خير له منها، وربه برحمته لا يخرجه من تلك النعمة، ويعذره بجهله وسوء اختياره لنفسه، حتى إذا ضاق ذرعا بتلك النعمة وسخطها وتبرم بها، واستحكم ملله لها سلبه اللّه إياها، فإذا انتقل إلى ما طلبه ورأى التفاوت بين ما كان فيه وما صار إليه، اشتد قلقه وندمه وطلب العودة إلى ما كان فيه، فإذا أراد اللّه بعبده خيرا ورشدا أشهده أن ما هو فيه نعمة من نعمه عليه، ورضاه به، وأوزعه شكره عليه، فإذا حدثته نفسه بالانتقال عنه، استخار ربه استخارة جاهل بمصلحته عاجز عنها، مفوض إلى اللّه، طالب منه حسن اختياره له.

وليس على العبد أضر من ملله لنعم اللّه، فإنه لا يراها نعمة ولا يشكره عليها ولا يفرح بها، بل يسخطها ويشكوها ويعدها مصيبة، هذا وهى من أعظم نعم اللّه عليه فأكثر الناس أعداء نعم اللّه عليهم ولا يشعرون بفتح اللّه عليهم نعمة وهم مجتهدون في دفعها وردها جهلا وظلما، فكم سعت إلى أحدهم من نعمة وهو ساع في ردها بجهده، وكم وصلت إليه وهو ساع في دفعها وزوالها بظلمه وجهله، قال تعالى: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ، وقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ.

فليس للنعم أعدى من نفس العبد، فهو مع عدوه ظهير على نفسه، فعدوه يطرح النار في نعمه وهو ينفخ فيها، فهو الّذي مكنه من طرح النار ثم أعانه بالنفخ فإذا اشتد ضرامها استغاث من الحريق، وكان غايته معاتبة الأقدار:

وعاجز الرأى مضياع لفرصته ... إذا فات أمر عاتب القدرا

ثم قال: فكرت في هذا الأمر، فإذا أصله أن تعلم أن النعم كلها من اللّه وحده: نعم الطاعات، ونعم اللذات، فترغب إليه أن يلهمك ذكرها ويوزعك شكرها.

قال تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ.

وقال: فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقال: وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ، وكما أن تلك النعم منه ومن مجرد فضله، فذكرها وشكرها لا ينال إلا-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت