الصفحة 38 من 148

لمحاكاته الشعرية. فمن ثم يظهر أن الشعر صناعة لها أفعال مميزة. ويفعل الشاعر أفعال الصناعة بحسب قوانين بينة الإدراك ويحكم على درجة براعة الشاعر من جهة هذه الأفعال وهذه القوانين.

ويلخص ابن رشد كتاب أرسطو في الشعر لكى يصل إلى تقدير أحسن من هذه القوانين وخصوصا من التي تكون مشتركة لجميع الأمم أو لأكثرها. ويهتم بالمشابهات بين الشعر اليونانى والشعر العربى أكثر مما يهتم بالاختلافات بينهما وذلك لاعتقاده بتأثير اللغة على التعبير فحسب. ولا يوجد عندنا أى سبب من الأسباب لرفض هذا الرأى. ويعترف ابن رشد بأن النقص في الترجمة العربية القديمة علة لعدم فهمه لبعض ما قاله أرسطو في هذا الكتاب. وأيضا إذا اعترفنا نحن بأن ابن رشد قد ضل الطريق في مواضع أخرى من الكتاب لم يطلع عليها فلا يبطل ذلك هذا الحكم. وبالرغم من عدم فهمه لما يريد أرسطو بالتراغوذيا وبالكموذيا وبالنظر وبأمور غير هذه إلا أنه ينجح في تفسير ما يميز الشعر العربى والأحوال التي يشابه بها الشعر اليونانى.

وعناية ابن رشد بما هو مشترك لجميع الأمم أو لأكثرها يمنعه ضرورة من أن يأتى بتلخيص أمين لكتاب أرسطو. وسبب توقفه عن إعطاء هذا النوع من التلخيص الأمين راجع إلى غرضه تقديم ما هو مشترك لجميع الأمم أو لأكثرهم وليس بسبب الترجمة العربية القديمة. ولا شك في أن غرض ابن رشد السابق كان وراء نقده الكثير للشعر العربى. ويبدو أيضا أنه وراء محاولته هاهنا لتأسيس مبادئ صناعة الشعر المتجهة أولا إلى الحث على الأفعال الفاضلة والكف عن الأفعال الرذيلة، فلهذا يجب أن يتجاوز بيانات أرسطو. وفى النهاية فهذا الغرض يفرق تلخيصه من بين تلاخيص سابقيه- أى أبى نصر الفارابى وابن سينا- أكثر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت