فلم يدر أأكلته النار، أم شربه الماء؟! والتقطته الأرض أم اختطفته السماء؟! لله هما من دمين ذهبا هدرا، وشخصين [216 ب] فقدا غيلة وسخرا. هذا والله الدين السليم، والعقد «1» الحكيم، والأمر القويم، والسمت المستقيم، والمبالاة بما وراءه الجحيم «2» .
و مما يزيده- أدام الله عز المشايخ- فضوحا، ويفيد [من] هذه المقدمات وضوحا، ما كانت الأخبار تتشاهد به من استحلاله عند «3» الإشفاق من لواحق جناياته على سلطان زمانه، ورعايا عمله وسكانه، حبس ما نسب «4» إليه من ضياع وعقار، وباغ ودار، ليتناهب ذكره الأسماع، ويتقاصر دونه الأطماع، حتى إذا ما خلا جوّه، واستقام على إيقاع المراد شدوه، ندم على ما فعل، ورجع فيما بذل، وفصّل بالفسخ كل ما أجمل. فكان هذا البلاغ يقرب تارة من الإمكان ويبعد أخرى، حتى أغنى شخص العيان عن الخبر، ونابت شمس البيان عن القمر. وذلك حين بعث السلطان يمين الدولة وأمين الملة قاضي قضاته أبا محمد [عبد الله بن محمد] «5» الناصحي إلى ديار خراسان، لتدارك أمور الأوقاف، وانتزاع ما اقتسمته أيدي التسلط والاختطاف، فرفع «6» إليه خليفته وأنا حاضر، وإلى حقائق ما يرد أو يصدر ناظر، ما تقرر عنده من احتجانه ما يقارب مائة ألف دينار عن أوقاف وضع عليها سمة التملّك، وسومة التغلّب والتحجّن، كاعما «7» فيها أفواه أربابها دون التظلم بوعد دونه رقراق السراب، ووعيد عنده فراق الرقاب، حتى درج عليها قرن بعد قرن [217 أ] آيسين عن الانتصاف، وخلف من بعدهم خلف قانعين من دونه بالكفاف.
(1) وردت في د: العقل. العقد: الاعتقاد.
(2) هذا تهكم وسخرية من الكاتب.
(3) وردت في ب: استحالة عقد.
(4) وردت في ب: ينسب.
(5) ساقطة في د.
(6) وردت في ب: فرجع.
(7) وردت في ب: كاعيا. والكعام: شى ء يجعل على فم البعير لشده. ابن منظور- لسان العرب، مج 12، ص 522 (كعم) .