الصفحة 60 من 267

أن هذه الأمور معجزة، لا أنها تقدح في إعجاز القرآن، لأنا قد بينا وجه كونه دلالة ومعجزة. فإن كان الذى أوردوه بمنزلته فيجب أن يكون معجزا، وهذه الطريقة واجبة في كل دلالة وعلة، أن وجودهما يقتضى نطق الحكم بهما، لا أنه يقدح فيما دل على أنهما علة أو دلالة، وإنما يعترض على الكلام بالأمور التى تجرى مجرى الضرورة فيكون كاشفا عن خروج الدلالة من أن تكون دلالة «1» .

إذن فالقرآن معجز، والعرب يعلمون ذلك، فما الشأن في العجم، وكيف يعرفون مزية القرآن؟ ويرى أبو هاشم «أنهم يعرفون المتقدم في الفقه، إذا علموا تسليم الفقهاء له، إلى ذلك، وإن لم يعرفوا الفقه على التفصيل، إذا عرفوه على الجملة، وفصلوا بينه وبين سائر العلوم» «2» .

أما عن الجانب البلاغى عند أبى هاشم فقد رأى أن إعجاز القرآن يرجع لمزيته في الفصاحة، ويشرح حد الفصاحة قائلا «إنما يكون الكلام فصيحا لجزالة لفظه وحسن معناه، ولا بدّ من اعتبار الأمرين لأنه لو كان جزل اللفظ ركيك المعنى لم يعد فصيحا، فإذن يجب أن يكون جامعا لهذين الأمرين، وليس فصاحة الكلام بأن يكون له نظم مخصوص، لأن الخطيب عندهم، قد يكون أفصح من الشاعر والنظم مختلف، إذا أريد بالنظم اختلاف الطريقة، وقد يكون النظم واحدا وتقع المزية في الفصاحة، فالمعتبر ما ذكرناه- لأنه الذى يتبين في كل نظم وكل طريقة، وانما يختص النظم بأن يقع لبعض الفصحاء يسبق إليه، ثم يساويه فيه غيره من الفصحاء فيساويه في ذلك النظم، ومن يفضل عليه بفضله في ذلك النظم» «3» .

وكلام أبى هاشم هنا صريح في أن النظم لا يصلح أن يكون مفسرا لفصاحة الكلام، لأن النظم قد يكون واحدا ويفضل أديب صاحبه فيه، وكأنه يرد بذلك على الجاحظ وأمثاله الذين يرجعون إعجاز القرآن إلى نظمه وطريقته، ويقول أنه لا يوجد في الكلام إلا اللفظ والمعنى ولا ثالث لهما، وإذن فلا بد أن تكون

(1) القاضى عبد الجبار- إعجاز القرآن- 303 و304.

(2) المصدر السابق- 296.

(3) المصدر السابق- 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت