الصفحة 168 من 267

بلاغة هذا الكلام، وحسن نظمه، وترتيبه، ومكانة إضماده «1» ، ورصافة تفسيره، وأخذ بعضه بحجز بعض، كأنما أفرغ إفراغا واحدا، ولأمر ما أعجز القوى وأخرس الشقاشق «2» ويقول في الآى (وَ قالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَ لَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ) [القصص- 9] ...

ما أحسن نظم هذا الكلام عند المرتاض بعلم محاسن النظم «3» وفى الآية (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَ عَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا) [الفرقان- 21] يقول: هذه الجملة في حسن استئنافها غاية «4» ويقول في الآية (وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ، أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ، أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ) [الرعد- 33] .. وهذا الاحتجاج وأساليبه العجيبة التى ورد عليها مناد على نفسه بلسان طلق دلق، أنه ليس من كلام البشر لمن عرف وانصف من نفسه «5» .

الزمخشرى والجرجانى:

مرت بنا جهود الزمخشرى في إعجاز القرآن، وما قدمه في تفسير القرآن من يد بيضاء. وقد أخذ الزمخشرى عن السّالفين وبخاصة الجرجانى، بل أنه طبّق نظرية الجرجانى في النظم، على ما وردت عليه في الدلائل، ولكن كانت للزمخشرى إضافات جليلة. ولم يضف البلاغيون بعده كثيرا إلى ما أضافه، بل أنهم لم يستوفوا إضافاته «6» .

لقد طبق على القرآن كله، ما جاء متفرقا في «دلائل الإعجاز» ، كى التقى بالباقلانى، وكذا الرمانى. وهذا الالتقاء له مغزاه. فالجهود التى نبتت في بيئة المعتزلة ومنهم وتلقفها الأشاعرة، عادت إليهم وقد نضجت، وعلى أيديهم أثمرت وكان نتاجها الكشاف للزمخشرى.

وإذا استفاد «الكشاف» من «الدلائل» ، فقد استفاد «الدلائل» من

(1) الإضماد، من أضمد القوم أى جمعهم وضمهم، وهنا بمعنى النظم والسبك.

(2) الزمخشرى- الكشاف- 2/ 153.

(3) نفس المصدر- 2/ 156.

(4) نفس المصدر- 2/ 107.

(5) نفس المصدر- 1/ 497.

(6) الدكتور شوقى ضيف- البلاغة تطور وتاريخ- 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت