كثيرة، ومساجده أثيرة، وأرباضه حافلة، وفي حلل الدوح رافلة، وسككه
غاصّة، وأسواقه بالدكاكين متراصّة، أقسم لربض من أرباضها أعمر من
مدينة سلا، وأبعد عن وجود الخلا، واملأ مهما ذكر الملأ، بلد منخرق
منقطع منفرق، ثلثه مقبرة خالية، وثلثه خرب بالية، وبعضه أخصاص
وأقفاص، ومعاطن وقلاص، وأواري بقر تحلب، ومعاطن سائمة تجلب.
وأما الإمارة، فلمالقة القدح 326المعلّى، والتّاج المحلّى، وهو على كل
حال بالفضل الأولى، حيث مناهل المختص، والخارج الأفيح الفحص. وسلا
لا تأكل إلا من غرارة جالب، لا من فلاحة كاسب. ومالقة مجتزئة بنفسها
في الغالب، محسبة من شرقيها وغربيها بطلب الطالب.
وأما النضارة، فمن ادّعى أنّه ليس في الأرض مدينة أنضر منها جنابا،
ولا أغزر منها غروسا وأعنابا، ولا آرج أزهارا ولا أضوأ نهارا، لم تكذب
دعواه، ولا أزرى به هواه، إنما هي كلّها روض وجابية وحوض بساتين قد
رقمتها الأنهار وترنّمت بها الأطيار.
وسلا بلد عديم الظلال، أجرد التلال، إذا ذهب زمن الربيع والخصب
المريع، صار هشيما، وأضحى ماؤها حميما، وانقلب الفصل عذابا أليما.
أما المساكن، فحسبك ما بمالقة من قصور بيض، وملك طويل عريض
جنّة السيد327،و ما أدراك ما بها من جنّة دانية القطوف، سامية السقوف،
ظاهرة المزية والشفوف، إلى غيرها ممّا يشذّ عن الحصر، إلى هذا العصر.
والجنّات التي ملأت السهل والجبل، وتجاوزت الأمل، بحيث لا أسد
يمنع من الأصحار بالعشي والأسحار، ولا لص يستجن بسببه في الديار.