يُؤْذِيهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَنْتَهِكُونَ حُرُمَاتِ اللَّهِ أَوْ أَنَّ عَفْوَهُ مَحْمُولٌ عَلَى ذَنْبٍ لَمْ يَكْفُرْ بِهِ فَاعِلُهُ قِيلَ ظُلْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَلْزِمُ انْتِهَاكَ شَيْءٍ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَعَالَى مَعَ أَنَّظُلْمَهُ إِيذَاؤُهُ وَإِيذَاؤُهُ إِيذَاءٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْإِيذَاءَ مُطْلَقًا لَيْسَ بِكُفْرٍ؛ لِأَنَّ إِيذَاءَهُ قَدْ يَصْدُرُ مِنْ مُؤْمِنٍ جَافٍ، وَهَذَا لَهُ نَوْعُ عُذْرٍ فَلَمْ يُكَفِّرْهُ وَعَفَا عَنْهُ، وَأَمَّا تَجَاوُزُهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ فَلِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ عَنْهُ وَلَمْ يَتَحَدَّثُوا عَنْهُ أَنَّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ وَكَانَ يُسَامِحُ عَنْ كَافِرٍ مُعَاهِدٍ لِيَتَأَلَّفَهُ أَوْ عَنْ حَرْبِيٍّ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُلْتَزِمٍ لِلْأَحْكَامِ، وَرَوَى الْحَاكِمُ (مَا لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْلِمًا بِذِكْرِهِ أَيْ: بِصَرِيحِ اسْمِهِ وَمَا ضَرَبَ بِيَدِهِ قَطُّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا سُئِلَ شَيْئًا قَطُّ فَمَنَعَهُ إِلَّا أَنْ يُسْأَلَ مَأْثَمًا وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونَ لِلَّهِ يَنْتَقِمُ) (وَمَا خُيِّرَ) أَيْ: رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ) أَيِ: الْأَيْسَرُ (مَأْثَمًا) أَيْ: إِثْمًا كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَوْ مَوْضِعَ إِثْمٍ ذَكَرَهُ الْحَنَفِيُّ، وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَيْ: إِثْمًا كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ، وَفِيهَا أَيْضًا فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ (مَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ سَخَطٌ فَالْإِثْمُ الْمَعْصِيَةُ وَزَعَمَ أَنَّهُ يَشْمَلُ تَرْكَ الْمَنْدُوبِ إِنَّمَا نَشَأَ عَنِ الْجَهْلِ بِكَلَامِ الْأُصُولِيِّينَ مِنَ الْفُقَهَاءِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: تَبَعًا لِشَارِحِ التَّخْيِيرِ إِمَّا بِأَنْ يُخَيِّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا فِيهِ عُقُوبَتَانِ فَيَخْتَارُ الْأَخَفَّ أَوْ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ وَأَخْذِالْجِزْيَةِ فَيَخْتَارُ أَخْذَهَا أَوْ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ فِي الْمُجَاهَدَةِ فِي الْعِبَادَةِ وَالِاقْتِصَادِ فَيَخْتَارُ الِاقْتِصَادَ، وَإِمَّا بِأَنْ يُخَيِّرَهُ الْمُنَافِقُونَ وَالْكُفَّارُ فَعَلَى الْأَخِيرِ يَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلًا وَعَلَى مَا سَبَقَ مُنْقَطِعًا إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ تَخْيِيرُ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا بَيْنَ جَائِزَيْنِ قُلْتُ بَقِيَ تَخْيِيرٌ آخَرُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فِي حَقِّ أُمَّتِهِ بَيْنَ وُجُوبِ الشَّيْءِ وَنَدْبِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ وَإِبَاحَتِهِ وَتَخْيِيرٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ لَهُ فِي أَمْرَيْنِ فَيَخْتَارُ الْأَيْسَرَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَيْهِمْ.